تأسیس الأصل فی التعبّد بالظنون

کد : 147535 | تاریخ : 21/01/1394

تأسیس الأصل فی التعبّد بالظنون

‏ ‏

‏ولنقدّم اُموراً :‏

الأوّل :‏ اعلم أنّ للحجّیة معنیین :‏

‏أحدهما : الوسطیة فی الإثبات والطریقیة إلی الواقع . وبهذا المعنی تطلق‏‎ ‎‏الحجّة علی المعلومات التصدیقیة الموصلة إلی المجهولات ، وعلی الأمارات‏‎ ‎‏العقلائیة أو الشرعیة باعتبار کونها برهاناً عقلائیاً أو شرعیاً علی الواقع ، لا باعتبار‏‎ ‎‏صیرورتها بعناوینها وسطاً فی الإثبات .‏

‏ثانیهما : الغلبة علی الخصم وقاطعیة العـذر . وإطلاق الحجّـة بهذا المعنی‏‎ ‎‏علی الأمارات أنسب .‏

‏ثمّ إنّ الحجّیة بالمعنی الأوّل تستلزم وجوداً وعدماً جواز الانتساب إلی‏‎ ‎‏الشارع وعدمه ؛ إذ لیس للطریقیة والوسطیة فی الإثبات معنی  سوی ذلک . وأمّا‏‎ ‎‏بالمعنی الثانی فلا تلازم بینهما أصلاً ؛ فإنّ الظـنّ علی الحکومـة حجّـة بالمعنی‏‎ ‎‏الثانی ؛ لکونه قاطعاً للعذر ، ومع ذلک لا یصحّ معه الانتساب إلیه .‏


‎[[page 401]]‎الثانی :‏ ربّما وقع الخلط بین عنوانی التشریع والقول بغیر علم ؛ فاستدلّ‏‎ ‎‏بما یدلّ علی حرمة القول بغیر علم علی حرمة التشریع‏‎[1]‎‏ ، مع أنّ بینهما فرقاً ؛ فإنّ‏‎ ‎‏التشریع عبارة عن إدخال ما لیس فی الشریعة فیها ، وإن شئت قلت : تغییر القوانین‏‎ ‎‏الإلهیة والأحکام الإلهیة بإدخال ما لیس فی الدین فیه وإخراج ما هو منه عنه ،‏‎ ‎‏وهذا ما یسمّی بدعة ، فلا کلام فی حرمته ومبغوضیته .‏

‏وأمّا تفسیر التشریع بالتعبّد بما لا یعلم جواز التعبّد به من قبل الشارع فإن‏‎ ‎‏اُرید منه التعبّد الحقیقی جدّاً فلا شکّ أنّه أمر غیر ممکن خارج عن اختیار المکلّف ؛‏‎ ‎‏إذ کیف یمکن التعبّد الحقیقی بما لا یعلم أنّه عبادی ؟ فإنّ الالتزامات النفسانیة‏‎ ‎‏لیست واقعة تحت اختیار النفس حتّی توجدها فی أیّ وقت شاء .‏

‏وإن اُریـد منه إسناد ما لم یعلم کونه مـن الشریعـة إلیها فهو أمـر ممکن لکنّه‏‎ ‎‏غیر التشریع ، بل عنوان آخـر محـرّم أیضاً . ویـدلّ علی حرمتـه ما ورد مـن‏‎ ‎‏حرمـة القول بغیر علم‏‎[2]‎‏ ، وما ورد مـن أدلّة حرمـة الإفتاء والقضاء بغیر علم‏‎[3]‎‏ .‏‎ ‎‏علی إشکال فی دلالة القسم الثانی بلحـاظ أنّ الحکم إنشاء لا إسناد إلی الشرع .‏

‏وممّا ذکرنـا یظهر الخلط فیما أفـاده بعض الأعـاظم ‏‏قدس سره‏‏ ؛ حیث جعل‏‎ ‎‏العنوانین واحداً‏‎[4]‎‏ .‏


‎[[page 402]]‎الثالث :‏ الظاهر أنّ للتشریع واقعاً قد یصیبه المکلّف وقد لا یصیبه ؛ فإنّ تغییر‏‎ ‎‏القوانین الشرعیة کسائر المحرّمات مبغوض واقعی قد یتعلّق بها العلم وقد لا یتعلّق ،‏‎ ‎‏فهو مبغوض بمناطها الواقعی ، کما أنّ القول بغیر علم وإسناد شیء إلی الشارع بلا‏‎ ‎‏حجّة مبغوض بما له من المناط .‏

وما أفاده بعض أعاظم العصر ‏قدس سره‏‏ من أنّه لیس للتشریع واقع یمکن أن یصیبه‏‎ ‎‏أو لا یصیبه ، بل واقع التشریع هو إسناد الشیء إلی الشارع مع عدم العلم بتشریعه‏‎ ‎‏إیّاه ؛ سواء علم المکلّف بالعدم أو ظنّ أو شکّ ، وسواء کان فی الواقع ممّا شرّعه‏‎ ‎‏الشارع أو لم یکن‏‎[5]‎‏ .‏

غیر واضح ؛‏ إذ قد عرفت : أنّ التشریع غیر الإسناد من غیر علم ولا حجّة ،‏‎ ‎‏وأنّ الأوّل عبارة عن تغییر القوانین الإلهیة والتلاعب بأحکام الله تعالی ، وهو من‏‎ ‎‏العناوین الواقعیة متّصفة بالقبح کالظلم ، بل هو منه ، فلو جهل المکلّف به لما اتّصف‏‎ ‎‏بالقبح الفاعلی ، مع کون الفعل حراماً واقعاً .‏

الرابع :‏ أنّ التشریـع ـ بأیّ معنی فسّر ـ لا یسری قبحـه إلی الفعل الخارجی ؛‏‎ ‎‏إذ لا وجه لتسریة القبح مـن عنوان إلی عنوان آخـر مغایر معه ، کما هـو المطّرد‏‎ ‎‏فـی الأحکام العقلیة . وعلی ذلک فعلی القول بالملازمة فلا نستکشف من کون‏‎ ‎‏التشریع قبیحاً عقلاً إلاّ حرمة ذلک العنوان شرعاً ، لا حرمة عنوان آخر مغایر معه ،‏‎ ‎‏وهذا واضح جدّاً .‏

فما أفاده بعض الأعاظم ‏قدس سره‏‏ من إمکان کون القصد والداعی من الجهات‏‎ ‎‏والعناوین المغیّرة لجهة حسن العمل وقبحه ، فیکون التعبّد بعمل لا یعلم التعبّد به من‏
‎[[page 403]]‎‏الشارع موجباً لانقلاب العمل عمّا هو علیه . ویشهد علی ذلک قوله ‏‏علیه السلام‏‏ : ‏«رجل‎ ‎قضی بالحقّ وهو لا یعلم»‎[6]‎‏ ؛ لدلالته علی حرمة القضاء واستحقاق العقوبة علیه ،‏‎ ‎‏فیدلّ علی حرمة نفس العمل ‏‎[7]‎‏.‏

غیر واضح جدّاً ؛‏ فإنّ إمکان کون القصد من الجهات المغیّرة لا یدلّ علی فعلیة‏‎ ‎‏ما ادّعاه من النتیجة ؛ إذ هی تابعة لأخسّ المقدّمتین .‏

أضف إلیه :‏ أنّ کون بعض العناوین مغیّراً فما الدلیل علی أنّ هذه العناوین‏‎ ‎‏کذلک ؟ فالإشکال فی کلّیة ما ادّعاه . وما استدلّ من الروایة ضعیف ؛ فإنّ حرمة‏‎ ‎‏القضاء ممّا لا کلام فیه ، وإنّما الکلام فی حرمة العمل . إذا عرفت ذلک فنقول :‏

‎ ‎

‎[[page 404]]‎

  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 121 ـ 122 .
  • )) راجع وسائل الشیعة 27 : 20 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 4 ، الحدیث 5 و9 و10 و14 و30 .
  • )) راجع وسائل الشیعة 27 : 20 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 4 ، الحدیث 1 و2 و3 و29 و31 و32 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 124 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 124 .
  • )) الکافی 7 : 407 / 1 ، وسائل الشیعة 27 : 22 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 4 ، الحدیث 6 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 121 ـ 122 .

انتهای پیام /*