الفصل الرابع فی مفهوم الاستثناء

کد : 147646 | تاریخ : 21/01/1394

‏‏الفصل الرابع فی مفهوم الاستثناء‏

‏‏ ‏

‏‏ومن جملة ما یستفاد منه المفهوم الجملة المحفوفة بالاستثناء ، والکلام فیها‏‎ ‎‏یقع فی مقامین :‏

‏‏الأوّل :‏‏ هـل الاستثناء مـن النفی یـدلّ علی الإثبات ، ومـن الإثبات یـدلّ‏‎ ‎‏علی النفی ؟‏

‏‏الظاهر ـ کما هو المشهور ـ کذلک ؛ للتبادر فی اللغات التی نمارسها .‏

‏‏والمخالف فی المقام :‏‏ هو أبو حنیفة‏‎[1]‎‏ ؛ مستدّلاً بالأثر المشهور ‏‏«لا صلاة إلاّ‏‎ ‎‏بفاتحة الکتاب»‏‎[2]‎‏ أو ‏‏«بطهور»‏‎[3]‎‏ فإنّه علی تقدیر الدلالة یلزم أن یکون الصلاة‏‎ ‎‏المقرونة بها مع فقد سائر شرائطها صلاة تامّة .‏

‏
‏
‎[[page 149]]‎‏وأنت خبیر :‏‏ بأنّ المتکلّم فی مقام بیان أنّ الفاتحة من أجزاء الصلاة ؛ بحیث‏‎ ‎‏تنتفی بانتفائها ، ولا تثبت إلاّ بإثباتها . وأمّا أنّ محقّق الصلاة هی نفسها وحدها أو‏‎ ‎‏هی بانضمام شرائط اُخری فلیس بصدد بیانه .‏

‏‏وبعبارة أوضح : أنّ هذا الکلام بصدد إفادة شرطیة الطهارة وجزئیة الفاتحة‏‎ ‎‏فی الصلاة لا الإخبار عن أنّ الصلاة تتحقّق عند وجودها دائماً ، فهو بصدد إفادة‏‎ ‎‏الجزئیة لا بصدد الإخبار عن العقد السلبی والإیجابی ، وفی مثله لا یجری ما یجری‏‎ ‎‏فی مثل «جاءنی القوم إلاّ زیداً» .‏

‏‏هذا ، وقد یستدلّ للمطلوب بقبول رسول الله  ‏‏صلی الله علیه و آله وسلم‏‏ إسلام من قال «لا إله إلاّ‏‎ ‎‏الله » ، ولولا دلالته علی إثبات الاُلوهیة لله لما کان مفیداً لذلک .‏

‏‏هذا ، ویمکن أن یقال : إنّ القوم فی صدر الإسلام لم یکونوا مشرکین فی ذات‏‎ ‎‏الواجب تعالی ، بل کانوا معتقدین لوحدة ذاته ، فقد کانوا یعبدون الأصنام لیقرّبوهم‏‎ ‎‏إلی الله زلفی . فکلمة الإخلاص وردت لردّهم ، فمعناه نفی استحقاق العبودیة عمّا‏‎ ‎‏سواه لا إثبات کونه معبوداً .‏

‏‏ویؤیّد ذلک : أنّ کلمة «إله» بمعنی المعبود ، فحاصله : أنّه غیره تعالی غیر‏‎ ‎‏مستحقّ للعبودیة .‏

‏‏وبالجملة : أنّ وجود البارئ کان مفروغاً عنه عند عَبَدة الأصنام والأوثان ،‏‎ ‎‏وکان الغرض من عبادتهم لها لأجل کونها وسائط القرب من الله تبارک وتعالی ؛‏‎ ‎‏فکلمة الإخلاص وردت لنفی معبودیة غیر الله تعالی .‏

‏‏وبذلک‏‏ یتّضح الجـواب عـن الإشکال المعروف : مـن أنّ الخبر المقدّر إمّا‏‎ ‎‏لفظ موجـود أو ممکـن ؛ وعلی الأوّل یـدلّ الاستثناء علی حصر وجـود الآلهـة‏‎ ‎‏فی البارئ ، ولا یـدلّ علی نفی إمکـان الغیر ، وعلی الثانی یـدلّ علی إثبات‏
‏
‎[[page 150]]‎‏الإمکان لوجوده لا علی وجوده .‏

‏‏وجه الاتّضاح :‏‏ هو أنّ کلمة الإخلاص سیقت لنفی ما یعتقده عبدة الأوثان من‏‎ ‎‏الشرک فی العبادة ، لا لإثبات وجود الواجب أو وجوبه حتّی یرد الإشکال .‏

‏‏وأمّا الأجوبة الفلسفیة وإن کانت صحیحة فی محلّها ، لکنّها لبُعدها عن‏‎ ‎‏أذهان العامّة لا یمکن ابتناء قبوله علیها ممّا قصرت أفهام العامّة عنها .‏

‏‏وأمّا الثانی‏‏ ـ أی الدلالة علی الحصر ـ فهو أیضاً ثابت بالتبادر والارتکاز‏‎ ‎‏العرفی ممّا هو المعمول فی أمثال المقامات ، فخروج فرد آخر مخالف للحصر ، کما‏‎ ‎‏أنّه مخالف للعموم فی مثل قوله «أکرم کلّ عالم إلاّ زیداً» .‏

‏‏ ‏

‏‏بلغ الکلام إلی هنا ، لیلة الثلاثاء بعدما مضی سبع‏‎ ‎‏وعشرون من الجمادی الاُولی من شهور سنة 1373 من‏‎ ‎‏الهجرة النبویة ، علی صاحبها آلاف الثناء والتحیة .‏‎ ‎

‏
‏
‎[[page 151]]‎

‏‎[[page 152]]‎

  • )) اُنظر مطارح الأنظار : 187 / السطر25 ، شرح العضدی علی مختصر ابن الحاجب : 265 ، المحصول فی علم اُصول الفقه 2 : 548 .
  • )) عوالی اللآلی 3 : 82 / 65 ، مستدرک الوسائل 4 : 158 ، کتاب الصلاة ، أبواب القراءة فی الصلاة ، الباب 1 ، الحدیث 5 و 8 .
  • )) تهذیب الأحکام 1 : 49 / 144 .

انتهای پیام /*