المقصد السابع فی الاُصول العملیة

من یجوز له العمل بفتوی نفسه

کد : 147804 | تاریخ : 26/01/1394

من یجوز له العمل بفتوی نفسه

‏ ‏

‏أمّا الجهة الثانیة ـ أعنی ما هو الموضوع لجواز العمل برأیه ـ فیجوز لمن‏‎ ‎‏استفرغ الوسع فی تحصیل الأحکام الشرعیة من طرقها المألوفة لدی أصحاب‏‎ ‎‏الفنّ ، أو بذل جُهده فی تحصیل ما هو العذر بینه وبین ربّه أن یعمل برأیه ، ویستغنی‏‎ ‎‏بذلک عن الرجوع إلی الغیر .‏

‏غیر أنّ ذلک یتوقّف علی مقدّمات ومبادئ کثیرة ، نشیر إلی أکثرها :‏

1 ـ‏ الوقوف علی القواعد العربیة ومعرفة مفرداتها علی حدّ یتوقّف علیه فهم‏‎ ‎‏الکتاب والسنّة . ولا یحصل ذلک إلاّ بمزاولتها وممارستها علی نحو یقف علی‏‎ ‎‏قواعدها ومفرداتها ، والکنایات والاستعارات التی تختصّ بالکتاب والسنّة ، وسائر‏‎ ‎‏الخصوصیات التی لا مناص للفقیه عنها .‏

2 ـ‏ تمییز المعانی العرفیة الدارجة بین الناس علی اختلافهم عن المعانی‏‎ ‎‏العقلیة الدقیقة التی لایقف علیها إلاّ ثلّة قلیلة ؛ فإنّ الکتاب والسنّة وردا فی مستوی‏‎ ‎‏الأفهام المعمولة والمعانی الدارجة بین عامّة الطبقات .‏

‏لا أقول : إنّ کلّ ما بین الدفّتین فی الکتاب والسنّة وارد علی هذا النمط ؛ لأنّ‏‎ ‎‏ذلک مجازفة فی القول ؛ فإنّک تری أنّ الکتاب إذا أخذ فی البحث عن المعارف‏‎ ‎‏الإلهیة والمطالب العقلیة یأتی بما هو أعلی عن مستوی الأفهام العادیة ؛ بحیث‏‎ ‎‏لایقف علی مغزاها إلاّ من صرف أعماراً فی ذلک المضمار .‏

‏بل أقول : إنّ ما ورد فیهما لأجل بیان الأحکام الشرعیة والوظائف العملیة ،‏‎ ‎‏ورد فی موقف الأفهام الرائجة والمعانی البسیطة التی تقف علی حقیقتها کلّ واحد‏‎ ‎‏من الناس . ولأجل ذلک یجب علی الفقیه الاُنس بالمحاورات العرفیة ، وفهم‏
‎[[page 568]]‎‏الموضوعات الدارجة بینهم ، والتجنّب عن المسائل العقلیة الفلسفیة فی فهم المعانی‏‎ ‎‏العرفیة والمطالب السوقیة . فقد وقفنا علی أخطاء کثیرة من الأعاظم صدرت من‏‎ ‎‏تلک الناحیة .‏

3 ـ‏ معرفة الأشکال الأربعة وشرائط إنتاجها ، وتمییز عقیمها عن منتجها .‏‎ ‎‏ویدخل فی ذلک معرفة العکس المستوی وعکس النقیض ممّا یتوقّف علیه‏‎ ‎‏الاستنباط فی بعض المقامات ، وغیرها من المباحث الرائجة منه فی غالب‏‎ ‎‏المحاورات . نعم ، لایجب الوقوف علی تفاصیل الشرطیات والاقترانیات وأشباههما‏‎ ‎‏ممّا لا توقّف لتحصیل الحکم الشرعی علیه‏‎[1]‎‏ .‏

4 ـ‏ معرفة مسائل اُصول الفقه ، وتحصیلها بأدقّ وجه . وأعنی بمسائلها ما لها‏‎ ‎‏دخالة ومقدّمیة فی استنباط الحکم الشرعی .‏

‏فلو أنّ الفقیه لم یتقن ولم یحقّق حجّیة مسألة خبر الواحد ، أو أنّ المحکّم‏‎ ‎‏فیما لانصّ علی حرمة شیء أو وجوبه هو البراءة ، أو أنّ المرجع فی تعارض‏‎ ‎‏الروایات ماهو ، وغیر ذلک من المسائل الهامّة لتعذّر علیه الاستدلال فی هذه‏‎ ‎‏الموارد وأمثالها .‏

‏وتوهّم الاستغناء عنها بأنّه لم یکن فی أعصار الأئمّة عین ولا أثر من هذه‏‎ ‎‏المسائل المدوّنة‏‎[2]‎‏ سخیف جدّاً ؛ للفرق الواضح بین أعصارهم وأعصارنا . علی أنّ‏‎ ‎
‎[[page 569]]‎‏بعض ما عدّدناه من المسائل کان منقّحاً عند أهل الاستنباط فی تلک الأعصار ، کما‏‎ ‎‏هو واضح علی من سبر أبواب الفقه وفصول الروایات .‏

والحاصل :‏ أنّ معرفة مسائل اُصول الفقه ـ التی احتلّ فی هذه الأعصار‏‎ ‎‏المکانة العظمی ـ من أهمّ ما یتوقّف علی