المقصد الثانی فی الأوامر

السادس : تقسیم الإرادة إلی التکوینیّة والتشریعیّة

الفصل الأوّل فیما یتعلّق بمادّة الأمر

کد : 162941 | تاریخ : 08/12/1385

السادس : حول تقسیم الإرادة إلی التکوینیّة والتشریعیّة

‏ ‏

‏من تلک المباحث بحث تقسیمها إلی الإرادة التکوینیّة والتشریعیّة، وهذا‏‎ ‎‏التقسیم لیس بلحاظ ذاتها؛ لعدم اختلافها فی القسمین بحسب الحقیقة، بل التقسیم‏‎ ‎‏بلحاظ أمر خارج عنها متعلّق بها؛ وهو متعلّقها، وسرایته إلیها لأجل کونها من‏‎ ‎
‎[[page 68]]‎‏الصفات ذات الإضافة، فتلک الإرادة فی التشریعیّة والتکوینیّة واحدة، وإنّما اختلافها‏‎ ‎‏بحسب المراد.‏

‏ثمّ إنّ الذی حداهم إلی هذا التقسیم، ما رأوا من القاعدة المعروفة المسبوقة‏‎ ‎‏«وهی أنّ الإرادة الجزء الأخیر من العلّة التامّة» فبعدما سمعوا ذلک، لاحظوا‏‎ ‎‏انتقاضها بالإرادة المتعلّقة فی الأوامر والنواهی بصدور الفعل من المکلّف، مع عدم‏‎ ‎‏صدوره منه، فإنّها تتخلّف عن المراد، فبنوا علیٰ تخصیص القاعدة العقلیّة، أو تضییق‏‎ ‎‏مصبّها، وبیان موقفها:‏

‏فقال «الکفایة» فی موضع منها جواباً عن النقض المزبور: «بأنّ استحالة‏‎ ‎‏التخلّف، إنّما تکون فی الإرادة التکوینیّة؛ وهی العلم بالنظام علی النحو الکامل التامّ،‏‎ ‎‏دون الإرادة التشریعیّة؛ وهو العلم بالمصلحة فی فعل المکلَّف، وما لا محیص عنه‏‎ ‎‏فی التکلیف إنّما هو هذه الإرادة التشریعیّة، لا التکوینیّة»‏‎[1]‎‏ انتهیٰ.‏

‏وقد صدّقه جماعة من الأفاضل فیما أفاده، ومنهم العلاّمة الأراکیّ صاحب‏‎ ‎‏«المقالات» فقال: «الإرادة التشریعیّة: هی التی تعلّقت بصدور الفعل من غیره‏‎ ‎‏بالاختیار، والإرادة التکوینیّة لیست کذلک، والاُولیٰ تنفکّ عن المراد، دون‏‎ ‎‏الثانیة»‏‎[2]‎‏.‏

‏وقال المحشّی العلاّمة ‏‏قدس سره‏‏ : «إنّ الإرادة التشریعیّة لیست ما تتعلّق بالتحریک‏‎ ‎‏والبعث؛ فإنّهما من أفعاله، فلا مقابلة بین التشریعیّة والتکوینیّة، بل التشریعیّة هی‏‎ ‎‏الشوق المتعلّق بفعل الغیر اختیاراً. وهذا الشوق یتصوّر فیما إذا کان لفعل الغیر‏‎ ‎‏فائدة عائدة إلی المرید، وإلاّ فلا یعقل تحقّق الشوق المزبور، ولذلک لا یعقل هذا‏‎ ‎
‎[[page 69]]‎‏النحو من الإرادة فی النفوس النبویّة والعلویّة»‏‎[3]‎‏ انتهیٰ.‏

فتحصّل إلی هنا :‏ أنّ جماعة اختاروا التفکیک بین الإرادتین‏‎[4]‎‏.‏

‏وهذا المدقّق النحریر وإن أشرف علی التحقیق‏‎[5]‎‏، ولکنّه لم یأتِ بجمیع ماهو‏‎ ‎‏الحقّ، فذهب إلی اتحاد الإرادة التکوینیّة والتشریعیّة فی المبدأ الأعلیٰ والمبادئ‏‎ ‎‏العالیة؛ بإنکار المقابلة. وهذا معناه اختیاره الإرادة التشریعیّة فی مقابل التکوینیّة فی‏‎ ‎‏العرف والعقلاء والنفوس الجزئیّة المستفیدة.‏

والذی هوالحقّ :‏ أنّ الإرادة التشریعیّة کالتکوینیّة من حیث المبادئ والأحکام،‏‎ ‎‏وإنّما الاختلاف بینهما فی المتعلّق وبحسب المراد؛ ضرورة أنّ الإرادة من الأعیان‏‎ ‎‏الموجودة فی اُفق النفس، فتحتاج إلی العلّة بالضرورة من غیر فرق بینهما.‏

‏نعم، إذا أراد الإنسان والفاعل المباشر شرب الماء، یتحرّک نحوه بحرکة‏‎ ‎‏عضلات الید والرجل مثلاً، وحرکة الفم والازدراد، حتّیٰ یحصل الشرب.‏

‏وإذا رأی أن یتصدّیٰ خادمه لذلک، فلا یرید إلاّ ماهو فی اختیاره؛ أی‏‎ ‎‏لایتمکّن من إرادة