المقصد التاسع فی البراءة

الجهة الثانیة : فی الدلالة

کد : 163357 | تاریخ : 02/12/1385

‏‏الجهة ‏‏ا‏‏لثانیة : فی الدلالة‏

‏‏ ‏

‏‏یظهر من الشیخ ‏‏قدس سره‏‏ اختصاص ‏‏«رفع...ما لا یعلمون»‏‏ بالشبهة الموضوعیّة‏‎[1]‎‏،‏‎ ‎‏ویجوز توهّم اختصاصه بالشبهة الحکمیّة.‏

‏‏وذهب جملة من الأعلام رحمهم الله إلی الأعمّ‏‎[2]‎‏.‏

‏‏ویجوز دعویٰ إجماله.‏

‏‏ففیه مسالک مختلفة:‏

‏‏أمّا الوجه الأوّل :‏‏ فهو أنّ الموصول فی الفقرات المشتملة علیه، هو کنایة‏‎ ‎‏عن الشبهة الموضوعیّة بالضرورة، فالموصول فیما نحن فیه مثله؛ نظراً إلیٰ وحدة‏‎ ‎‏السیاق. هذا أوّلا. بل مقتضیٰ کون الجمیع موضوعاً، ذلک.‏

‏‏وثانیاً:‏‏ أنّ المحذوف هی المؤاخذة، وهی تناسب کون المراد الشبهة‏‎ ‎‏الموضوعیّة، لا الحکمیّة‏‎[3]‎‏.‏

‏‏وثالثاً:‏‏ إسناد الرفع مجاز فی سائر الموصولات والفقرات، فلیکن هنا کذلک،‏‎ ‎‏وإلاّ یلزم أن یکون حقیقة بالنسبة إلی الشبهات الحکمیّة، فیلزم استعمال اللفظ فی‏‎ ‎‏الأکثر من معنی واحد. وهذا الأخیر ما أیّد به صاحب «الکفایة» علیه الرحمة مقالةَ‏‎ ‎‏شیخه ‏‏رحمه الله‏‎[4]‎‏.‏

‏‏أقول:‏‏ سیمرّ علیک تحقیق أنّ المحذوف هی المؤاخذة، أو لا محذوف رأساً،‏‎ ‎

‏
‏
‎[[page 44]]‎‏وأنّ الإسناد مجازیّ، أم حقیقیّ، فالاستناد إلی الوجهین الأخیرین لتعیین الموصول‏‎ ‎‏فی الشبهة الموضوعیة، غیر تامّ، کما یأتی تمام تحقیقه فی الآتی، فانتظر حتّیٰ حین.‏

‏‏وأمّا الوجه الأوّل، فقد أورد علیه بوجوه‏‎[5]‎‏، أحسنها ما فی «الدرر»: وهو أنّ‏‎ ‎‏قضیّة وحدة السیاق هو الأعمّ؛ لأنّ الموصول فی سائر الفقرات باقٍ علیٰ إطلاقه،‏‎ ‎‏فلیکن الأمر کذلک هنا، فیلزم شموله للأعمّ‏‎[6]‎‏.‏

‏‏ومن الغریب ارتضاء «تهذیب الاُصول» بذلک‏‎[7]‎‏، ضرورة فساده؛ فإنّ معنیٰ‏‎ ‎‏وحدة السیاق: هو أنّ الجملة المذکورة فی أثناء جمل، إذا کانت مورد النظر مستقلّة،‏‎ ‎‏فلها العموم، أو الإطلاق مثلاً، وأمّا إذا قیست إلیٰ ما وقع حولها، فلابدّ وأن یکون‏‎ ‎‏مثلها فی الخصوصیّة.‏

‏‏مثلاً:‏‏ إذا کان أطرافها ما تختصّ بالوضعیّات فهی مثلها، أو تختصّ بالتکالیف‏‎ ‎‏فکذلک، کما استدلّوا‏‎[8]‎‏ علیٰ عدم کون الکذب علی الله مفطراً؛ لکون النهی عنه فی‏‎ ‎‏طیّ النهی عن الغیبة مثلاً‏‎[9]‎‏.‏

‏‏وإن شئت قلت:‏‏ إنّ وحدة السیاق تمنع عن انعقاد الإطلاق فیما نحن فیه؛‏‎ ‎‏لجواز اتکال المتکلّم علیٰ سائر الفقرات فی إفادة الاختصاص.‏

‏‏والذی هو الحقّ:‏‏ أنّ وحدة السیاق وإن کانت قویّة فی ذاتها، إلاّ أنّ مناسبة‏‎ ‎‏الحکم والموضوع أقویٰ، فکون الإسناد حقیقة أو مجازاً أو مختلفاً، وإن کان یوجب‏‎ ‎

‏
‏
‎[[page 45]]‎‏رفع الإبهام فی موارد الشکّ، إلاّ أنّ هنا حدیث رفع المجهول إمّا حقیقة، أو ادعاءً، أو‏‎ ‎‏مجازاً لفظیّاً، وهذا یناسب رفع الحکم المجهول الأعمّ؛ لأنّه أولیٰ به عند العقلاء، فلا‏‎ ‎‏یخطر أوّلاً وبالذات إلی الذهن إلاّ الإطلاق، والعدول عنه یحتاج إلیٰ ملاحظة وحدة‏‎ ‎‏السیاق المغفول عنها عند العامّة.‏

‏‏وأمّا الوجه الثانی :‏‏ فهو أنّ المجاز علیٰ خلاف الأصل، فیقتصر فیه علی‏‎ ‎‏القدر المتیقّن منه، ففیما نحن فیه یتعیّن کون المراد من الموصول هی الشبهة‏‎ ‎‏الحکمیّة؛ لأنّ الحکم یقبل الرفع حقیقة دون الموضوع، فلا وجه لحمله علی الأعمّ،‏‎ ‎‏حتّیٰ یلزم استعمال اللفظ الواحد فی المعنیین، أو یلزم المجاز والحقیقة فی‏‎ ‎‏الاستعمال الواحد.‏

‏‏وأمّا توهّم:‏‏ أنّ قضیّة وحدة السیاق فی الاستعمال هی المجازیّة، فیکون فیما‏‎ ‎‏نحن فیه أیضاً مجازاً؛ لقیام القرینة علیه، فهو لا یرجع إلیٰ محصّل؛ لأنّه سیمرّ علیک‏‎ ‎‏أنّ المجازیّة بحسب الإرادة الاستعمالیّة، ممنوعة هنا‏‎[10]‎‏.‏

‏‏أقول أوّلاً:‏‏ یجوز أن یکون المرفوع هو الحکم فی الشبهات الموضوعیّة‏‎ ‎‏والحکمیّة، إلاّ أنّ منشأ الشبهة مختلف، وهذا غیر سائر الفقرات، فإنّ فی مثل‏‎ ‎‏الاضطرار ونحوه، لا یتصوّر الاضطرار إلی الحکم، بخلاف الجهالة، فإنّها تتصوّر‏‎ ‎‏بالنسبة إلی الحکم الجزئیّ والکلّی، فلا یلزم استعمال الواحد فی الکثیر، ولا الجمع‏‎ ‎‏بین الحقیقة والمجاز.‏

‏‏وثانیاً:‏‏ الرفع منسوب بحسب الاستعمال أوّلاً إلی النسیان أو السهو، فیکون‏‎ ‎‏الحرف العاطف موجباً لاستناده إلیه عرفاً وتوهّماً، لا واقعاً وحقیقة، کما لا یخفیٰ،‏‎ ‎‏فلا نسبة بین الرفع والموصول فیما نحن فیه بحسب الحقیقة. والتکرار الحکمیّ‏‎ ‎‏لأجل حرف العطف، لا یتضمّن إلاّ الاستعمال الحکمیّ، لا الواقعیّ. وحدیث‏‎ ‎

‏
‏
‎[[page 46]]‎‏العوامل؛ وأنّ العامل کذا وکذا، من أحادیث المدارس، دون الأعراب وجمهور‏‎ ‎‏الناس، فلا یصحّ الاستئناس بشیء خاصّ من إسناد الرفع إلی الموصول فیما نحن‏‎ ‎‏فیه، ولا معنیٰ لاستظهار شیء منه؛ لأنّه کلّه مجرّد التخیّل والأدب الخاصّ، دون‏‎ ‎‏العامّ.‏

‏‏فعلیه إذا أمکن الأعمّ یتعیّن ذلک؛ لفراغ المتکلّم من هذه الخصوصیّات فی‏‎ ‎‏مثل هذه المسائل، وتتعیّن المراجعة إلیٰ فهم العرف والعقلاء مع قطع النظر عن ذلک‏‎ ‎‏کلّه، وإلیٰ مناسبات الحکم والموضوع، فلا تخلط.‏

‏‏وأمّا الوجه الثالث :‏‏ وهو کون الحدیث فیما نحن فیه مجملاً؛ فذلک إمّا‏‎ ‎‏لأجل عدم إمکان ترجیح مقتضیٰ وحدة السیاق علیٰ أصالة الحقیقة وبالعکس. وفیه‏‎ ‎‏ما مرّ‏‎[11]‎‏.‏

‏‏وإمّا لأجل أنّ مفاد الموصول إن کان المعنی الاسمیّ، فیکون الموضوع له‏‎ ‎‏عامّاً، فإنّه یمکن القول: بأنّ المرفوع أعمّ، أو أخصّ.‏

‏‏وأمّا إذا کان مفاد الموصول علیٰ وجه یکون الموضوع له خاصّاً، فتکون‏‎ ‎‏لفظة «ما» الموصولة ـ کلفظة «الذی» مشتملة علیٰ معنی الإشارة إلی العناوین‏‎ ‎‏الذاتیّة، کعنوان «الخمر» و«شرب التتن» و«جلسة الاستراحة» وغیرها، فلا یشمل‏‎ ‎‏الشبهات الموضوعیّة؛ لأنّ عنوان «المشتبه والمجهول» لا یمکن أن یکون مورد‏‎ ‎‏الإشارة، بعد کون المحمول عنوان «المجهول» وهو قوله: ‏‏«لا یعلمون»‏‏ ضرورة أنّ‏‎ ‎‏الذهن ینتقل من الإشارة إلی العناوین المبیّنة، فتکون الجهالة فی المحمول،‏‎ ‎‏مخصوصة بالحکم الکلّی؛ أی «رفع الذی لا یعلمون» وهو شرب التتن، فینحصر‏‎ ‎‏«ما لا یعلمون» ‏‏بالحکم الکلّی، وعلیٰ هذا حیث لا طریق إلیٰ تعیین ما هو‏‎ ‎‏الموضوع له علیٰ وجه مبیّن، یلزم الإجمال فی جملة ‏‏«ما لا یعلمون».‏

‏
‏
‎[[page 47]]‎‏ولو أمکن أن یکون لفظة ‏‏«ما»‏‏ إشارة إلی المشتبه موضوعاً، ولکنّه غیر‏‎ ‎‏موافق لفهم العرف قطعاً، فیسقط الحدیث عن إمکان الاستدلال به، کما لا یخفیٰ،‏‎ ‎‏فتدبّر؛ فإنّه حقیق بالتدبّر والتأمّل.‏

‏‏ولو قیل:‏‏ القدر المتیقّن هی الشبهة الموضوعیّة.‏

‏‏قلنا:‏‏ لا یمکن الالتزام به؛ لأنّه علیٰ تقدیر کون المراد أعمّ، لابدّ من الالتزام‏‎ ‎‏بتعدّد الاستعمال، فلا قدر متیقّن حینئذٍ.‏

‏‏أقول أوّلاً :‏‏ إمکان کون لفظة موضوعة للمعنی المرکّب من المعنی الحرفیّ‏‎ ‎‏والاسمیّ، محلّ المناقشة، کما حرّرناه فی محلّه‏‎[12]‎‏، فکون «ما» أو «الذی»‏‎ ‎‏موضوعین للمعنی الاسمیّ مع إشراب الإشارة فیه ـ وهی معنی حرفیّ غیر واضح‏‎ ‎‏سبیله.‏

‏‏وثانیاً:‏‏ إنّ الظاهر عند أهله أنّ معنیٰ «من» و«ما» الموصولتین، کلّی اسمیّ‏‎ ‎‏ینطبق علی الخارج، ویکون «ما» بمعنیٰ کلمة «شیءٍ» المنوّنة بتنوین التنکیر، ولا‏‎ ‎‏ریب فی أنّه معنی اسمیّ مقیّد، فتلزم أعمّیة الحدیث.‏

‏‏وثالثاً:‏‏ لا تکون العناوین الکلّیة مورد الإشارة، بل الخارج موردها؛ أی التتن‏‎ ‎‏الخارجیّ، فیکون المستفاد منه أنّ الذی لا یعلمون حکمه مرفوع، فیشمل المشتبه‏‎ ‎‏بین الماء والخمر، فتأمّل.‏

‏‏ورابعاً:‏‏ عنوان «المشتبه» موضوعاً، ممّا لا یعلم الاُمّة حکمه، فیکون مورد‏‎ ‎‏الرفع، وهکذا شرب التتن، فیکون الحدیث أعمّ.‏

‏‏وخامساً:‏‏ قد عرفت أنّ القول بالأعمّیة، لا یستلزم الاستعمال فی الکثیر‏‎[13]‎‏،‏‎ ‎‏وسیمرّ علیک زیادة توضیح حوله فی الجهة الآتیة إن شاء الله تعالیٰ.‏

‏‎ ‎

‏‎[[page 48]]‎

  • )) فرائد الاُصول 1 : 320.
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3: 345، درر الفوائد، المحقّق الحائری: 441 ـ 442، نهایة الأفکار 3: 216 ـ 217.
  • )) فرائد الاُصول 1 : 320.
  • )) درر الفوائد، المحقّق الخراسانی: 190.
  • )) الرسائل الفشارکیّة: 33، فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3: 345، نهایة الأفکار 3، القسم الثانی: 216، مصباح الاُصول 2: 260 ـ 261.
  • )) درر الفوائد، المحقّق الحائری: 441.
  • )) تهذیب الاُصول 2 : 149 ـ 150.
  • )) مدارک الأحکام 6: 47، روضة المتّقین 3: 294.
  • )) وسائل الشیعة 10: 33 ، کتاب الصوم، أبواب ما یمسک عنه الصائم، الباب 2، الحدیث 2 و5 و7 و8 و9.
  • )) یأتی فی الصفحة 54 ـ 55 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 45 ـ 46 .
  • )) تقدّم فی الجزء الأوّل : 137 ـ 138 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 46 .

انتهای پیام /*