المقصد الثامن فی الظنّ

التحقیق فی حجّیة الإجماع المنقول

کد : 164046 | تاریخ : 19/07/1385

‏‏ا‏‏لتحقیق فی حجّیة الإجماع المنقول‏

‏‏ ‏

‏‏إذا تبیّنت هذه الجهات فاعلم: أنّ أصحابنا الاُصولیّـین، ذهبوا فی ناحیة نقل‏‎ ‎‏السبب إلیٰ أنّ ناقل الإجماع تارة: ینقل السبب التامّ، واُخریٰ: السبب الناقص.‏

‏‏وعلی التقدیر الأوّل تارة: ینقل السبب المحض.‏

‏‏واُخریٰ: ینقل السبب والمسبّب، والکاشف والمنکشف.‏

‏‏وثالثة: ینقل السبب.‏

‏‏وفی ناحیة حجّیة النقل تارة: إلیٰ قصور أدلّة حجّیة الخبر الواحد عن شمول‏‎ ‎‏ما نحن فیه؛ إذا کانت الحکایة مشتملة علی المسبّب، أو ممحّضة فیه.‏

‏‏واُخریٰ:‏‏ إلیٰ عدم قصور لها؛ لأنّه من قبیل الإخبار عن الحدس القریب من‏‎ ‎‏الحسّ کما فی «الدرر»‏‎[1]‎‏.‏

‏‏وثالثة:‏‏ إلیٰ أنّ أدلّة حجّیة الخبر الواحد، تشمل مطلق الإخبار عن الحدس‏‎ ‎‏والحسّ، وإنّما المخصّص اللبّی قائم علیٰ خروج الإخبار عن الحدس، وفی شمول‏‎ ‎‏ذلک المخصّص لما نحن فیه شبهة، ویکون المرجع حینئذٍ عموم الأدلّة.‏

‏‏أقول:‏‏ فیما أفادوه ـ مضافاً إلی الأنظار الخاصّة، علیٰ فرض صحّة مدخلهم‏‎ ‎‏فی البحث، ولا یهمّنا الإشارة إلیه ـ أنّ مقتضیٰ ما تحرّر منّا فی الجهات السابقة: أنّ‏‎ ‎‏الإجماع المنقول لیس إلاّ نقل الإجماع المحصّل، والإجماع المحصّل هو الإجماع‏
‏
‎[[page 367]]‎‏ـ بالحمل الشائع ـ القائم علی الرأی الواحد؛ والفتوی الفاردة‏‎[2]‎‏.‏

‏‏فناقل الإجماع لا یحکی إلاّ نقل الاتفاق، کسائر ناقلی الإجماع فی العلوم‏‎ ‎‏الاُخر غیر الشرعیّة، والشرعیّة من سائر المذاهب والملل، ولا اصطلاح خاصّ فی‏‎ ‎‏هذه المسألة فی هذه الناحیة، فظاهر نقل الإجماع لیس إلاّ نقل السبب.‏

‏‏نعم، اختلفت الآراء فی أنّ الاتفاق المزبور، دلیل علی الدخول، أو یستلزم‏‎ ‎‏اللطف، أو یلازم الحدس، أو یکشف عن السنّة؛ أو فتوی الإمام ‏‏علیه السلام‏‏، وناقل‏‎ ‎‏الإجماع یحکی ما هو موضوع لتلک الآراء والعقائد؛ حتّیٰ یذهب کلّ إلیٰ معتقده،‏‎ ‎‏ولو کان نقل الإجماع قابلاً للقسمة إلیٰ ما ذکر، للزم عدم حجّیة الإجماع إلاّ فی‏‎ ‎‏بعض الصور؛ لأنّه یجوز أن یکون ناقل الإجماع القائل بالدخول، ناقلاً لما یعلم‏‎ ‎‏بدخوله فیه وإن لم یکن إجماعاً، والقائل باللطف کذلک وهکذا، فلا یوجد عندئذٍ‏‎ ‎‏للمتأخّرین إجماع واتفاق یکشف عن السنّة، أو رأی المعصوم، فیعلم منه أنّ بناء‏‎ ‎‏الناقلین، لیس إلاّ نقل الاتفاق والسبب.‏

‏‏هذا مع أنّ نقل بعض السبب المشخّص غیر معهود، ونقل بعض السبب‏‎ ‎‏المهمل لا یورث شیئاً؛ لما لا یمکن العلم بانضمام البعض الآخر، کما لا یخفیٰ. فما‏‎ ‎‏فی کلامهم من کفایة الانضمام‏‎[3]‎‏ غیر تامّ أیضاً.‏

‏‏فالأظهر أنّ ناقلی الإجماع، یریدون بذلک نقل السبب التامّ المحض. إلاّ أنّه‏‎ ‎‏قد عرفت منّا عدم إمکان اطلاعهم علی السبب التامّ جدّاً عادة.‏

‏‏فالقسمة المزبورة المشهورة فی کلامهم صدراً وذیلاً، لیست علیٰ ما ینبغی،‏‎ ‎‏ولو کانت هی صحیحة للزم منه أیضاً إشکال صغروی فی حصول الاتفاق المفید‏‎ ‎‏للمتأخّرین القائلین بالکشف، کما اُشیر إلیه. هذا کلّه فی الناحیة الاُولیٰ.‏

‏
‏
‎[[page 368]]‎‏وأمّا الناحیة الثانیة فالحقّ: أنّ حدیث حجّیة الخبر الواحد، لا یرجع إلی‏‎ ‎‏الأدلّة اللفظیّة حتّیٰ یتمسّک بالعامّ، ثمّ یلاحظ المخصّص اللبّی وغیر ذلک، ولا‏‎ ‎‏إلی البناء علیٰ خروج الإخبار عن حدس، ودخول الإخبار مـمّـا یقرب من الحسّ‏‎ ‎‏ولو کان حدساً، بل المناط بناء العرف والعقلاء، وهو دلیل لبّی لا إطلاق له، ولو‏‎ ‎‏شکّ فی مورد فلا شاهد علیٰ وجوب الأخذ فیه بدلیل لفظیّ إطلاقاً أو عموماً،‏‎ ‎‏منطوقاً أو مفهوماً.‏

‏‏ومن هنا یظهر إمکان الالتزام بحجّیة الإخبار عن الحدس المحض؛ فیما کان‏‎ ‎‏بناء القوم علی الحدس، کما فی مسألة الخرص من غیر حاجة إلی النصّ، وحدیث‏‎ ‎‏کثرة الخطأ وقلّته، لیس من العلل الدائر مدارها الحجّیة، حتّیٰ یلزم الشکّ فی حجّیة‏‎ ‎‏الإخبار عن الحسّ أحیاناً فیما یکثر فیه الخطأ، أو یلزم منه حجّیة حدس من یقلّ‏‎ ‎‏خطأه فی الحدس، بل ذلک من الحِکم والعلل العقلائیّة المنتهیة أحیاناً إلی الشکّ فی‏‎ ‎‏بناء العقلاء، کما لا یخفیٰ.‏

‏‏وأمّا ذیل آیة النبأ، فیأتی تحقیقه من ذی قبل إن شاء الله تعالیٰ، ویظهر أنّ‏‎ ‎‏الآیة أجنبیّة عن مسألتنا‏‎[4]‎‏.‏

‏‏ثمّ إنّ ناقل الإجماع بناءً علیٰ ما سلکناه، یکون ناقل الموضوع، وحجّیة‏‎ ‎‏الخبر الواحد فی باب الموضوعات عند المحقّقین، محلّ المناقشة والإشکال‏‎[5]‎‏.‏

‏‏ولکن الحقّ عدم قصور فی أدلّة حجّیة الخبر الواحد، المنحصرة فی بناء‏‎ ‎‏العقلاء، وما یرتبط بهم أحیاناً، ویؤیّد حالهم فی هذه السیرة عن إثبات حجّیته فی‏‎ ‎‏الموضوعات، ولاسیّما فی المقام، وعلیٰ هذا یمکن أن یقال: بأنّ الإجماع بالنقل‏‎ ‎‏یثبت مثلاً، وإذا ثبت موضوعه یصحّ أن یقال: «هو حجّة ولا ریب فیه» نظراً إلیٰ‏
‏
‎[[page 369]]‎‏عموم التعلیل الوارد فی مقبولة عمر بن حنظلة‏‎[6]‎‏.‏

‏‏فتحصّل لحدّ الآن:‏‏ أنّ حجّیة الإجماع المحصّل والإجماع المنقول، قابلة‏‎ ‎‏للتصدیق، وإنّما الإشکال فی صغراهما، وإذا أشکل الأمر فی تحصیل الإجماع‏‎ ‎‏المحصّل، فلا مصداق للإجماع المنقول الذی هو ینفع لدینا.‏

‏‏والإشکال فی حجّیة الاجماع المنقول: بأنّه من الإخبار عن حدس‏‎[7]‎‏، فی‏‎ ‎‏غیر محلّه، فإنّ المنقول هو المعنی المحسوس وهو السبب، وأمّا أنّه سبب لأیّة‏‎ ‎‏جهة؟ فهو مورد الاختلاف، فیذهب کلّ من المنقول إلیه إلیٰ مذهبه فی وجه‏‎ ‎‏حجّیته، وإذا ثبت السبب بإخبار العدل الإمامیّ الفقیه فرضاً، یکون حجّة؛ لعموم‏‎ ‎‏التعلیل، فتأمّل.‏

‏‏ولو قیل:‏‏ عموم التعلیل ممنوع.‏

‏‏قلنا:‏‏ لو کان ممنوعاً فهو فی خصوص الروایة المجمع علیها فی النقل‏‎ ‎‏المتروک العمل، لا الفتویٰ، وکلامنا فی الفتوی المجمع علیها، فإنّها لا ریب فیها، ومن‏‎ ‎‏الاُمور الثلاثة التی بیّن رشدها کما یأتی بتفصیل‏‎[8]‎‏.‏

‏‏وغیر خفیّ: أنّ من هذا التفصیل، یستفاد أیضاً حجّیة الإجماع المحصّل‏‎ ‎‏تعبّداً، وأمّا أنّ لازمه کون الحجّة ذات الإجماع والاتفاق، وهو خلاف مذهب‏‎ ‎‏الخاصّة.‏

‏‏فهو ممنوع أوّلاً: لأنّ من الممکن أنّ الشرع اعتبر حجّیة الإجماع نوعاً؛‏‎ ‎‏لکشفه الغالبیّ مثلاً عن السنّة أو رأی المعصوم، کسائر الظنون الخاصّة.‏

‏‏وثانیاً:‏‏ أنّ ما اشتهر من عدم حجّیة الإجماع فی ذاته، غیر تامّ علی القول:‏
‏
‎[[page 370]]‎‏بأنّه کاشف عن رأی وفتوی المعصوم؛ لأنّ کاشفیّته عن الرأی والفتویٰ تکون مثل‏‎ ‎‏کاشفیّة الظواهر، فکما مرّ أنّها حجّة بذاتها‏‎[9]‎‏، کذلک الإجماع، وقد مرّ شطر من‏‎ ‎‏الکلام حوله فی الجهة الخامسة‏‎[10]‎‏، فراجع.‏

‏‏وتوهّم:‏‏ أن المراد من «‏‏المجمع علیه‏‏» هیالشهرة لا الإجماع‏‎[11]‎‏، فیغیر محلّه:‏

‏‏فأوّلاً:‏‏ لإطلاق التعلیل.‏

‏‏وثانیاً:‏‏ لأنّ خروج الفرد النادر، لا یضرّ بالإجماع الکاشف عن السنّة‏‎ ‎‏والاشتهار، وسیظهر تمام الکلام حول التعلیل فی البحث الآتی إن شاء الله تعالیٰ‏‎[12]‎‏.‏

‏‏ ‏

‏‎ ‎

‏‎[[page 371]]‎

  • )) درر الفوائد، المحقّق الحائری: 372 ـ 373 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 358 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 152 .
  • )) یأتی فی الصفحة 459 وما بعدها .
  • )) یأتی فی الصفحة 535 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 356 .
  • )) نهایة الأفکار 3 : 97، منتهیٰ الاُصول 2 : 88 .
  • )) یأتی فی الصفحة 382 ـ 384 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 297 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 366 .
  • )) مصباح الاُصول 2 : 141 .
  • )) یأتی فی الصفحة 380 ـ 383 .

انتهای پیام /*