القول فی الخیار

دلالة آیة الوفاء علی اللزوم

‏‏فمنها :‏‏ عموم قولـه تعا لیٰ : ‏‏«‏‏أوْفُوا بِا لعُقُودِ‏‏»‏‎[1]‎‏ . و«ا لعقود» :‏

‏‏إمّا جمع «عقد»‏‏ بفتح العین‏‎[2]‎‏ ، وهو الربط الخاصّ فی الحبل ، استعیر للعقود‏‎ ‎‏ا لاعتباریّـة ؛ بدعویٰ أ نّـه فی تبادل ا لإضافتین ا للتین یتخیّل أ نّهما کا لحبل ، تحصل‏‎ ‎‏عقدة کا لعقدة فی ا لحبل .‏

‏‏فحینئذٍ تختصّ ا لعقود بما فیها تبادل بنحو ، کا لبیع ، وا لإجارة ، وا لصلح ،‏‎ ‎‏وتخرج منها ما لا تبادل فیها ، کا لنکاح ، وا لهبـة ، وا لوقف بناءً علیٰ کونـه عقداً ،‏‎ ‎‏وا لضمان ، وا لکفا لـة ، ونحوها ، وکذا مطلق ا لإیقاعات .‏

‏‏أو بدعویٰ : کون نفس ا لإیجاب وا لقبول ، وربطهما فی الاعتبار ، بمنزلـة ربط‏
‏
‎

کتاب البیعج. 4صفحه 24
‎‏ا لحبل وا لعقدة ا لحاصلـة فیـه ، فتدخل فیـه جمیع أنواع ا لعقود ، وتخرج منـه‏‎ ‎‏ا لإیقاعات ، کا لنذر ، وا لیمین ، وا لوقف بناءً علیٰ عدم اعتبار ا لقبول فیـه .‏

‏‏وإمّا جمع «عقد»‏‏ بکسر ا لعین ، وهو ا لقلادة‏‎[3]‎‏ ، استعیر لمطلق ما لزم إتیانـه ؛‏‎ ‎‏بدعویٰ أ نّـه کقلادة فی عنقـه تلزمـه حیثما کان ، فتدخل فیـه جمیع ا لعقود‏‎ ‎‏وا لإیقاعات وا لتعهّدات .‏

‏‏وا لأظهر مع ا لغضّ عن ا لقرائن ا لخارجیّـة ، هو ا لأوّل ؛ فإنّـه أوفق‏‎ ‎‏با لاعتبار ، علیٰ إشکال یأتی ا لکلام فیـه‏‎[4]‎‏ .‏

‏‏وبا لنظر إ لیٰ قولـه تعا لیٰ فی ا لنکاح : ‏‏«‏‏أوْ یَعْفُوَ الَّذِی بِیَدِهِ عُقْدَةُ‏‎ ‎‏النِّکَاحِ‏‏»‏‎[5]‎‏ وقولـه تعا لیٰ : ‏‏«‏‏وَلاٰ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّکَاحِ‏‏»‏‎[6]‎‏ هو ا لثانی ؛ لعدم ا لتبادل‏‎ ‎‏فی باب ا لنکاح ، ومع ذلک عبّر با لـ ‏‏«عُقْدَة»‏‏ وا لظاهر أنّ ‏‏«الْعُقُود»‏‏ أیضاً بهذا ا لمعنیٰ‏‎ ‎‏وا لاعتبار .‏

‏‏وأ مّا با لنظر إ لیٰ صحیحـة عبدالله بن سنان ، عن أبی عبدالله  ‏‏علیه السلام‏‏ فی قولـه :‏‎ ‎‏«‏‏أوْفُوا بِالعُقُودِ‏‏»‏‏ قال : ‏‏«بالعهود»‏‎[7]‎‏ .‏

‏‏فا لمراد بـ ‏‏«العُقُودِ»‏‏ العهود ، فتخرج العقود المصطلحـة عنها ؛ فإنّ اعتبار العقد‏‎ ‎‏ا لمصطلح یخا لف اعتبار ا لعهد ، ضرورة أنّ ا لبیع وا لإجارة ونحوهما ، لیس فیها‏‎ ‎‏معنی ا لعهدة وا لعهد وا لتعهّد ، لا مطابقـة ، وهو واضح ، ولا ا لتزاماً ؛ لما تقدّم من أنّ‏
‏
‎

کتاب البیعج. 4صفحه 25
‎‏ا لفعل ا لاختیاری ، لا یعقل أن یکون من ا لمدا لیل ا لالتزامیّـة‏‎[8]‎‏ .‏

‏‏مضافاً إ لیٰ وضوح أنّ ا لبیع لیس إلاّ تبادل مال بمال ، إلاّ أ نّـه من ا لأحکام‏‎ ‎‏ا لعقلائیّـة ا لمترتّبـة علیـه وعلیٰ نحوه ، لزوم ا لعمل علیٰ طبق مقتضاه ، وهی غیر‏‎ ‎‏نفس ا لعقد .‏

‏‏نعم ،‏‏ فی عقد ا لضمان وا لکفا لـة ا لتعهّد وا لالتزام ثابت ، فیدخلان فی عنوان‏‎ ‎‏«ا لعهود» کما تدخل فیـه قاطبـة ا لعهود ؛ من ا لنذر وأخویـه ، ومنها ا لبیعـة‏‎ ‎‏ا لمأخوذة للخلفاء وولاة ا لعهد ، بحسب ما تعارف فی عصر نزول الآیـة .‏

‏‏وعلیٰ هذا ا لاحتمال ،‏‏ کانت الآیـة أجنبیّـة عن ا لبیع ونحوه ، إلاّ أنّ‏‎ ‎‏ا لأصحاب من عصر ا لشیخ ‏‏قدس سره‏‏ إ لیٰ زماننا هذا ، قد تمسّکوا بها لنفوذ ا لعقود‏‎ ‎‏ا لاصطلاحیّـة ولزومها‏‎[9]‎‏ ، والآیتان ا لواردتان فی ا لنکاح ، شاهدتان أو مؤیّدتان‏‎ ‎‏لدخول مثل عقد ا لنکاح فی ا لعقود ، وأنّ ا لاعتبار فیـه وفی غیره سواء .‏

‏‏فلابدّ إمّا من ا لالتزام باستعمال ‏‏«العقود»‏‏ فی ا لعهود وا لعقود ا لتی لیست‏‎ ‎‏بعهود ؛ بنحو استعمال ا للفظ فی أکثر من معنًی .‏

‏‏أو ا لالتزام بأنّ ‏‏«العقود»‏‏ جمع «عقد» بکسر ا لعین کما أشرنا إ لیـه .‏

‏‏أو ا لالتزام بأنّ ا لعقد من عقد ا لعسل ؛ أی غلظ‏‎[10]‎‏ ، أو بمعنیٰ أحکم‏‎[11]‎‏ ، فیدّعیٰ‏‎ ‎‏أنّ ا لعقود وا لعهود باعتبار لزومها ، فیها غلظـة وإحکام ، فتدخل فیها جمیع ا لعقود‏‎ ‎‏وا لعهود ، ولم یظهر من ا لصحیحـة ا لمتقدّمـة ، أنّ ا لمراد انحصار ا لعقود با لعهود ؛‏‎ ‎‏فإنّ قولـه قال : ‏‏«با لعهود»‏‏ لم یظهر منـه ا لانحصار ، ولا ا لتفسیر ، بل لعلّـه للتنبیـه‏
‏
‎

کتاب البیعج. 4صفحه 26
‎‏علیٰ دخول ا لعهود فیها أیضاً ، فتأ مّل .‏

‏‏ویمکن أن یقال :‏‏ إنّ ا لعهود ا لتی وقعت بین شخصین ، فیها معنی ا لعقود أیضاً ،‏‎ ‎‏کا لبیعـة ا لتی کانت متعارفـة فی تلک ا لأعصار با لتصفیق ونحوه ؛ فإنّها أیضاً‏‎ ‎‏بمنزلـة ا لعقدة ولو ادّعاءً وتشبیهاً ، فتدخل فی ا لعقود تلک ا لعهود باعتبار ا لعقد ، لا‏‎ ‎‏باعتبار ا لتعهّد ، وتخرج منها ا لتعهّدات ا لإیقاعیّـة ، کا لنذر ، وا لعهد .‏

‏‏وبعبارة اُخریٰ :‏‏ إنّ فی تلک ا لعهود حیثیّتین ، إحداهما : ا لتعاهد ، وثانیتهما :‏‎ ‎‏ا لتعاقد ، وبـه یحصل ا لتعاهد ، کعقد ا لضمان ، فاُطلق علیها «ا لعقد» بهذه ا لحیثیّـة .‏

‏‏ثمّ إنّ ا لأظهر‏‏ من بین الاحتما لات وا لأبعد من مخا لفـة ا لظاهر ، هو أنّ‏‎ ‎‏«العقود»‏‏ استعیرت لمطلق العقود المعاملیّـة والعهدیّـة ، کعقد البیعـة ، والتعهّدات‏‎ ‎‏ا لمتداولـة بین ا لدول أو ا لأشخاص ، فإنّها أیضاً عقود تحتاج إ لی ا لإیجاب‏‎ ‎‏وا لقبول ، ولولا ذلک لما صحّ إیجاب ا لوفاء بها ؛ لأ نّـه فرع قرارها ، فادّعی أنّ ربط‏‎ ‎‏ا لقبول با لإیجاب عقدة ، وأ نّها حاصلـة من نفس ربطهما .‏

‏‏وفی هذا ا لاحتمال لا تکون مخا لفـة ظاهر ، إلاّ فی إطلاق ‏‏«العقود»‏‏ علی‏‎ ‎‏ا لأفراد الادّعائیّـة ، ولا محذور فیـه ؛ لقیام ا لقرینـة ا لواضحـة علیـه ، فا لعقد‏‎ ‎‏استعمل فی نفس ا لإیجاب وا لقبول ؛ با لدعوی ا لمتقدّمـة .‏

‏‏وأ مّا سائر ا لاحتما لات ، فتکون مخا لفـة للظاهر من جهات ، بلا قیام‏‎ ‎‏قرینـة .‏

‏‏مثلاً : لو اُرید من «ا لعقد» تبادل ا لإضافتین ؛ بدعویٰ أنّ کلّ إضافةٍ حبلٌ ، وأنّ‏‎ ‎‏ا لتبادل بینهما عقدة ، لتکثّر ا لادّعاء ؛ فإنّ تبادل ا لإضافتین أثر ا لعقد ا لمصطلح ، ولا‏‎ ‎‏معنیٰ لوجوب ا لوفاء بـه ، فلابدّ من دعویٰ اُخریٰ ؛ وهی أنّ ا لعقد ا لمؤثّر أثر ، وفی‏‎ ‎‏احتمال إرادة جمع ا لعقد با لکسر باعتبار ا للزوم ، یحتاج إ لیٰ دعویٰ اُخریٰ . . .‏‎ ‎‏وهکذا .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتاب البیعج. 4صفحه 27
‎

  • )) ا لمائدة (5) : 1 .
  • )) لسان العرب 9 : 309 ، تاج العروس 2 : 426 .
  • )) ا لقاموس ا لمحیط 1 : 327 ، تاج ا لعروس 2 : 427 .
  • )) یأتی فی ا لصفحـة 27 .
  • )) البقرة (2): 237.
  • )) ا لبقرة (2) : 235 .
  • )) تفسیر علیّ بن إبراهیم 1 : 160 .
  • )) تقدّم فی ا لصفحـة 18 .
  • )) راجع ما تقدّم فی ا لجزء ا لأوّل : 116 .
  • )) لسان ا لعرب 9 : 310 .
  • )) ا لمنجد : 518 .