ا‏لأخبار ا‏لدالّة علی ثبوت منصب ا‏لحکومة وا‏لقضاء للفقیه

‏‏ ‏

‏‏الأخبار الدالّة علی ثبوت منصب الحکومة والقضاء للفقیه‏

‏‏ ‏

‏‏وأمّا الدلیل التفصیلی فهی الروایات الواردة فی هذا الباب :‏

‏‏منها‏‏ : ـ وهی العمدة ـ مقبولـة عمر بن حنظلـة المتقدّمـة‏‎[1]‎‏ ، وهی تدلّ علی‏‎ ‎‏أنّ التحاکم إلی مثل السلطان أو القاضی الموجودین فی زمانهم فی حقّ أو باطلٍ‏‎ ‎‏تحاکم إلی الطاغوت ، وأنّ ما یأخذه بحکمـه إنّما یکون سحتاً وإن کان حقّـه ثابتاً ،‏‎ ‎‏لأنّـه أخذ بحکم الطاغوت ، وإنّما أمر اللّٰه أن یکفر بـه ، وتدلّ علی أنّـه لابدّ من‏‎ ‎‏النظر فی ذلک إلی من کان منکم ، أی من الإمامیّـة الاثنی عشریّـة ممّن قد روی‏‎ ‎‏حدیثنا ونظر فی حلالنا وحرامنا وعرف أحکامنا .‏

‏‏والظاهر أنّ المراد بروایـة الحدیث لیس مجرّد روایـة حدیث ولو کان‏‎ ‎‏حدیثاً واحداً ، بل المراد هو کونـه راویـة الحدیث ومن کان شأنـه النقل لـه ولو‏‎ ‎‏بصورة الفتوی ، کما هو المعمول فی هذه الأعصار ، وأنّ المراد من النظر فی‏‎ ‎

‏
‏
‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۲): تقریر ابحاث روح الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 427
‎‏حلالهم وحرامهم ومعرفـة أحکامهم هو النظر والاجتهاد ومعرفـة الأحکام عن‏‎ ‎‏دلیل تفصیلی ، کما هو شأن الفقیـه ، فالمستفاد من الروایـة وجوب الرجوع فی‏‎ ‎‏المنازعات والمحاکمات إلی الفقیـه والمجتهد ، لأنّـه منصوب للحکومـة ومجعول‏‎ ‎‏لها من قبل الصادق ‏‏علیه السلام‏‏ بقولـه : « ‏‏فإنّی قد جعلتـه علیکم حاکماً‏‏ » .‏

‏‏نعم ، یقع الکلام فی أنّ المراد من الحکومـة هل هو مجرّد منصب القضاوة ،‏‎ ‎‏أو الأعمّ منـه ومن الحکومـة والسلطنـة ، بحیث کان للفقیـه السلطنـة التامّـة‏‎ ‎‏بالنسبـة إلی جمیع الاُمور وکان واجداً لمقامین : مقام القضاوة ، ومقام الولایـة‏‎ ‎‏والحکومـة ؟‏

‏‏والظاهر هو الوجـه الثانی بقرینیـة صدر الروایـة وسؤال السائل ، فإنّ‏‎ ‎‏قولـه : فی رجلین من الأصحاب کان بینهما منازعـة فی دین أو میراث فتحاکما‏‎ ‎‏إلی السلطان أو إلی القضاة ، یدلّ علی أنّ مراد السائل أعمّ من المنازعات التی‏‎ ‎‏یرجع فیها إلی القاضی لأجل فصل الخصومـة وهی المنازعات المشتملـة علی‏‎ ‎‏المدّعی والمنکر وأمثالها ، ومن المنازعات التی یرجع فیها إلی الوالی والحاکم‏‎ ‎‏کالمنازعات الواقعـة بین الناس غیر ما یشتمل منها علی المدّعی والمنکر‏‎ ‎‏وشبهـه ، فإنّ رفع ید الغاصب مثلاً أمر لا یرجع فیـه إلاّ إلی الوالی ، ولا شأن‏‎ ‎‏للقاضی فی مثل هذه الاُمور أصلاً . فتعمیم السائل التحاکم وتصریحـه بالسلطان‏‎ ‎‏والقاضی معاً مع أنّ لکلّ منهما شأناً یغایر شأن الآخر دلیل علی أنّ المراد من‏‎ ‎‏المنازعـة مطلق المنازعات .‏

‏‏وحینئذٍ فقولـه بعد ذلک : «قلت : فکیف یصنعان ؟» مرجعـه إلی أنّـه بعد‏‎ ‎‏حرمـة التحاکم إلی السلطان والقاضی الجائرین ما وظیفـة أصحابنا فی مطلق‏‎ ‎‏المنازعات ؟ فحکم الإمام ‏‏علیه السلام‏‏ بالرجوع إلی الفقیـه . فقولـه ‏‏علیه السلام‏‏ : « ‏‏فإنّی قد‏‎ ‎

‏
‏
‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۲): تقریر ابحاث روح الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 428
‎‏جعلتـه علیکم حاکماً‏‏ ‏‏» ‏‏بملاحظـة صدر الروایـة ظاهر فی أنّ المراد من الحکومـة‏‎ ‎‏أعمّ من القضاوة والسلطنـة .‏

‏‏فثبت أنّ الفقیـه‏‏ ثابت لـه ما کان ثابتاً للإمام ‏‏علیه السلام‏‏ من التصدّی لأمر القضاء‏‎ ‎‏ونفوذ حکمـه علی الناس فی جمیع الاُمور .‏

‏‏ویدلّ علیـه أیضاً أنّـه ‏‏علیه السلام‏‏ جعل التحاکم إلیهم فی حقّ أو باطل تحاکماً إلی‏‎ ‎‏الطاغوت الذی أمر اللّٰه أن یُکفر بـه ، مع أنّ انطباق عنوان الطاغوت علی سلطان‏‎ ‎‏الجور الذی یرجع إلیـه فی بعض المنازعات أولی من انطباقـه علی القاضی من‏‎ ‎‏قبلهم ، فهو وإن کان جائراً وطاغوتاً ، إلاّ أنّـه من شؤون الوالی والسلطان ، وهو‏‎ ‎‏الأصل فی الطغیان ورأس الضلال کما فسّر بـه الطاغوت فی اللغـة .‏

‏‏ومن ذلک یظهر أنّ عمدة النظر فی إرجاع الناس إلی الفقیـه من الإمامیّـة‏‎ ‎‏إلی المنازعات التی کان یرجع فیها إلی السلطان .‏

‏‏نعم لا محیص عن الاعتراف بالدلالـة علی ثبوت منصب القضاوة لـه أیضاً ،‏‎ ‎‏إلاّ أنّـه لا تنحصر دلالـة المقبولـة بذلک ، وسؤال السائل بعد ذلک لا یدلّ علیـه‏‎ ‎‏بعد عدم کون فهمـه حجّـة ، مضافاً إلی احتمال کون السؤال عن بعض الفروع ، ألا‏‎ ‎‏تری أنّـه لا إشکال فی دلالـة المقبولـة علی جواز الرجوع إلی الفقیـه الواحد مع‏‎ ‎‏عدم کونـه مورداً لسؤال السائل أیضاً .‏

‏‏وکیف کان فلا إشکال فی أنّـه یستفاد من المقبولـة جواز دخالـة الفقیـه‏‎ ‎‏فی کلّ ما للقاضی والوالی من الشؤون .‏

‏‏ویدلّ علیـه أیضاً روایـة أبی خدیجـة قال : بعثنی أبو عبداللّٰه ‏‏علیه السلام‏‏ إلی‏‎ ‎‏أصحابنا فقال : « ‏‏قل لهم‏‏ ‏‏: إیّاکم إذا وقعت بینکم خصومـة أو تداری فی شیء من‏‎ ‎‏الأخذ والعطاء أن تحاکموا إلی أحد من هؤلاء الفساق‏‏ ‏‏، اجعلوا بینکم رجلاً قد‏‎ ‎

‏
‏
‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۲): تقریر ابحاث روح الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 429
‎‏عرف حلالنا وحرامنا‏‏ ‏‏، فإنّی قد جعلتـه علیکم قاضیاً‏‏ ‏‏، وإیّاکم أن یخاصم بعضکم‏‎ ‎‏بعضاً إلی السلطان الجائر‏‏ »‏‎[2]‎‏ . لأنّ المراد بالقاضی إنّما هو معناه اللغوی الذی‏‎ ‎‏ینطبق علی الحکومـة أیضاً ، مضافاً إلی أنّ ذکر السلطان الجائر فی الذیل مع أنّـه‏‎ ‎‏لم یکن الرجوع إلیـه إلاّ فی بعض المنازعات قرینـة علی عدم کون المراد‏‎ ‎‏بالقاضی خصوص المتصدّی لمنصب القضاوة ، کما لایخفی .‏

‏‏ویدلّ علیـه أیضاً غیرها من بعض الروایات الاُخر :‏

‏‏ومنها‏‏ : روایـة أبی البختری عن أبی عبداللّٰه ‏‏علیه السلام‏‏ قال : « ‏‏إنّ العلماء ورثـة‏‎ ‎‏الأنبیاء وذاک أنّ الأنبیاء لم یورّثوا درهماً ولا دیناراً‏‏ ‏‏، وإنّما أورثوا أحادیث من‏‎ ‎‏أحادیثهم‏‏ ‏‏، فمن أخذ بشیء منها فقد أخذ حظّاً وافراً‏‏ . . . »‏‎[3]‎‏ ، الحدیث .‏

‏‏وتقریب الاستدلال بهـا أنّ قولـه‏‏علیه السلام‏‏ : « ‏‏العلماء ورثـة الأنبیاء‏‏ » إن کـان فی‏‎ ‎‏مقام الإنشاء وبصدد جعل الـوراثـة للعلماء فلا خفاء فی أنّ مقتضی إطلاق‏‎ ‎‏الوراثـة کونهم وارثین للأنبیاء فی جمیع شؤونهم ومناصبهم ما عدا منصب النبوّة .‏‎ ‎‏ومـن الواضـح ثبوت کلا المنصبین القضـاوة والحکومـة للأنبیاء . وإن کان فـی مقـام‏‎ ‎‏الإخبار ، کما یؤیّده بعض الأخبار ، حیث ذکـر هـذه الجملـة فـی سیـاق الجمل‏‎ ‎‏الخبریّـة ، فتدلّ أیضـاً علی الإطلاق لکـن لا بوضـوح الإنشـاء والجعـل ، کمـا‏‎ ‎‏لایخفی .‏

‏
‏
‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۲): تقریر ابحاث روح الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 430
‎‏ومنهـا‏‏ : مرسلـة الصـدوق قـال : قـال أمیـر المؤمنین ‏‏علیه السلام‏‏ : « ‏‏قـال‏‎ ‎‏رسول اللّٰه ‏‏صلی الله علیه و آله وسلم‏‏ ‏‏: اللهمّ ارحم خلفائی‏‏ ‏‏، قیل‏‏ ‏‏: یا رسول اللّٰه ومَن خلفاؤک‏‏ ‏‏؟ قال‏‏ ‏‏:‏‎ ‎‏الذین یأتون من بعدی ویروون حدیثی وسنّتی‏‏ »‏‎[4]‎‏ . ورواه فی المجالس بزیادة :‏‎ ‎‏« ‏‏ثمّ یعلّمونها‏‏ »‏‎[5]‎‏ فإنّ إطلاق الخلیفـة علی الفقهاء من دون تقیـیدها بجهـة‏‎ ‎‏خاصّـة یدلّ علی ثبوت منصبی القضاوة والحکومـة معاً لهم .‏

‏‏ومنها‏‏ : روایـة الفقـه الرضوی ‏‏علیه السلام‏‏ أنّـه قال : « ‏‏منزلـة الفقیـه فی هذا‏‎ ‎‏الوقت کمنزلـة الأنبیاء فی بنی إسرائیل‏‏ »‏‎[6]‎‏ .‏

‏‏ومنهـا‏‏ : روایـة إسماعیـل بـن جابر عـن أبـی عبداللّٰه ‏‏علیه السلام‏‏ أنّـه قـال : «‏‏ العلماء‏‎ ‎‏اُمناء‏‏ »‏‎[7]‎‏ .‏

‏‏ومنها‏‏ : غیـر ذلک ممّـا یستفاد منـه توسعـة دائـرة ولایـة الفقیـه وثبوت جمیع‏‎ ‎‏المناصب لهم .‏

‏‏ومنها‏‏ : غیر ذلک ممّا یمکن أن یستفاد منـه ذلک .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۲): تقریر ابحاث روح الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 431
‎

  • )) تقدّم تخریجها فی الصفحة 416 .
  • )) تهذیب الأحکام 6 : 303 / 846 ، وسائل الشیعـة 27 : 139 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 11 ، الحدیث 6 .
  • )) الکافی 1 : 32 / 2 ، وسائل الشیعـة 27 : 78 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 8 ، الحدیث 2 .
  • )) الفقیـه 4 : 302 / 915 ، وسائل الشیعـة 27 : 139 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 11 ، الحدیث 7 .
  • )) الأمالی ، الصدوق : 152 / 4 .
  • )) الفقـه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام : 338 .
  • )) الکافی 1 : 33 / 5 .