حول إشکالات لا یختصّ بآیة النبأ و أجوبتها

‏‏احول إشکالات لا یختصّ بآیة النبأ وأجوبتها‏

‏‏ ‏

‏‏منها :‏‏ أنّ النسبة بین الأدلّة الدالّة علی حجّیة قول العادل وبین عموم الآیات‏‎ ‎‏الناهیة عن العمل بالظنّ وما وراء العلم عموم من وجه ، والمرجع بعد التعارض إلی‏‎ ‎‏أصالة عدم الحجّیة .‏

‏‏ولکن عرفت : أنّ من الآیات ما یختصّ بالاُصول الاعتقادیة ، ولسانها آبٍ‏‎ ‎‏من التخصیص ـ ولو کانت النسبة عموماً وخصوصاً مطلقاً ـ ومنها ما هو قابل‏‎ ‎‏للتخصیص ؛ لعمومیتها للاُصول والفروع ، مثل قوله تعالی : ‏‏«‏‏وَلا تَقْفُ مَا لَیْسَ لَکَ‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 446
‎‏بِهِ عِلْمٌ‏‏»‏‎[1]‎‏ والنسبة بینه وبین أدلّة الباب هو العموم والخصوص المطلق ، فیخصّص‏‎ ‎‏عمومها أو یقیّد إطلاقها ، کما مرّ‏‎[2]‎‏ .‏

‏‏وأجاب بعض أعاظم العصر ‏‏قدس سره‏‏ بأنّ أدلّة الحجّیة حاکمة علی الآیات الناهیة ؛‏‎ ‎‏لأنّ أدلّة الحجّیة تقتضی خروج العمل بخبر العادل عن کونه عملاً بالظنّ .‏

‏‏ثمّ قال : ولو لم نسلّم الحکومة فالنسبة بین أدلّة الباب مع الآیات الناهیة هو‏‎ ‎‏العموم والخصوص المطلق ، والصناعة یقتضی تخصیص عمومها بما عدا خبر‏‎ ‎‏العادل‏‎[3]‎‏ .‏

‏‏وقد عرفت الإشکال‏‏ فی حکومة أدلّة الحجّیة ؛ لأنّ الحکومة قائمة باللسان ،‏‎ ‎‏ولیس هنا ما یتکفّل تنزیل الخبر الواحد منزلة العلم‏‎[4]‎‏ .‏

‏‏وأمّا ما أفاده من التخصیص ففیه : أنّه لو کان لسان العامّ آبیاً عن التخصیص‏‎ ‎‏یقع المعارضة بینه وبین الخاصّ ، ولا یجری صناعة التخصیص فی هذا المقام‏‎ ‎‏أصلاً ، والجواب ما عرفت .‏

‏‏ومنها :‏‏ أنّ حجّیة خبر الواحد تستلزم عدم حجّیته ؛ إذ لو کان حجّة لکان یعمّ‏‎ ‎‏قول السیّد وإخباره عن تحقّق الإجماع علی عدم حجّیته‏‎[5]‎‏ ، فیلزم من حجّیة الخبر‏‎ ‎‏عدم حجّیته ، وهو باطل بالضرورة‏‎[6]‎‏ .‏

‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 447
‎‏وفیه‏‏ ـ بعد الغضّ عن أنّه إجماع منقول وأدلّة حجّیته لا تشمله ، وعن أنّ‏‎ ‎‏الاستحالة إنّما هو ناشٍ من إطلاق دلیل الحجّیة وشموله لخبر السیّد لا عن أصل‏‎ ‎‏الحجّیة ـ أنّ الأمر دائر بین إبقاء عامّة الأفراد وإخراج قوله بالتخصیص أو العکس .‏

‏‏ولا یخفی أنّ الأوّل متعیّن ؛ إذ ـ مضافاً إلی بشاعة التخصیص الکثیر‏‎ ‎‏المستهجن ـ أنّ التعبیر عن عدم حجّیة الخبر الواحد بلفظٍ یدلّ علی حجّیة عامّة‏‎ ‎‏أفراده ، ثمّ إخراج ما عدا الفرد الواحد الذی یؤول إلی القول بعدم الحجّیة قبیح‏‎ ‎‏لا یصدر من الحکیم .‏

‏‏وأمّا ما أفاده المحقّق الخراسانی :‏‏ أنّ من الجائز أن یکون خبر العادل حجّة‏‎ ‎‏فی زمن صدور الآیة إلی زمن صدور هذا الخبر من السیّد ، وبعده یکون هذا الخبر‏‎ ‎‏حجّة فقط ، فیکون شمول العامّ لخبر السیّد مفیداً لانتهاء الحکم فی هذا الزمان ،‏‎ ‎‏ولیس هذا بمستهجن‏‎[7]‎‏ .‏

‏‏فیرد علیه :‏‏ أنّ الإجماع المحکی بقول السیّد یدلّ علی عدم حجّیة قول‏‎ ‎‏العادل من أوّل البعثة ؛ إذ هو یحکی عن حکم إلهی عامّ لکلّ الأفراد فی عامّة‏‎ ‎‏الأعصار والأدوار ، فلو کان قوله داخلاً تحت العموم لکشف عن عدم حجّیة الخبر‏‎ ‎‏الواحد من زمن النبی ‏‏صلی الله علیه و آله وسلم‏‏ ، وأنّ عمل الناس علیه واستفادتهم حجّیتها بظاهر‏‎ ‎‏الآیة إنّما هو لأجل جهلهم بالحکم الواقعی . وعلی ذلک فلا معنی لما أفاده من انتهاء‏‎ ‎‏زمن الحجّیة .‏

‏‏ومن ذلک یظهر :‏‏ أنّ ما أفاده شیخنا العلاّمة ‏‏قدس سره‏‏ من أنّ بشاعة الکلام علی‏‎ ‎‏تقدیر شموله لخبر السیّد لیست من جهة خروج تمام الأفراد سوی فرد واحد حتّی‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 448
‎‏یدفع بما أفاده ـ أی المحقّق الخراسانی ـ بل من جهة التعبیر بالحجّیة فی مقام إرادة‏‎ ‎‏عدمها ، وهذا لا یدفع بما أفاده‏‎[8]‎‏ .‏

‏‏لا یخلو عن نظر ؛‏‏ لما عرفت من أنّ البشاعة الاُولی لا تندفع بما أفاده أیضاً ؛‏‎ ‎‏لما عرفت أنّ مفاد الإجماع حکم إلهی کاشف عن عدم الحجّیة من زمن‏‎ ‎‏النبی ‏‏صلی الله علیه و آله وسلم‏‏ ، فیکون تمام الأفراد خارجاً سوی فرد واحد .‏

‏‏ولو أغمضنا عمّا ذکرناه ، وسلّمنا أنّ شمول الأدلّة لخبر السیّد یدلّ علی انتهاء‏‎ ‎‏أمد الحکم بعد شموله لهذه الأفراد طول مدّة قرون ، فالبشاعة الثانیة مندفعة بما فی‏‎ ‎‏کلام المحقّق الخراسانی ؛ إذ لا مانع من شمول الإطلاق لفرد من الأفراد یفید انتهاء‏‎ ‎‏أمد الحکم ، ویعلن بعدم حجّیة قول العادل الواحد بعد هذا الإعلان والإخبار ، ولا‏‎ ‎‏إشکال فیه .‏

‏‏وأجاب بعض محقّقی العصر ‏‏قدس سره‏‏ عن الإشکال بما هذا حاصله : إنّ شمول‏‎ ‎‏إطلاق أدلّة الباب لمثل خبر السیّد الحاکی عن عدم الحجّیة ممتنع ؛ لاستلزامه‏‎ ‎‏شمول الإطلاق لمرتبة الشکّ بمضمون نفسه ؛ لأنّ التعبّد بإخبار السیّد بعدم الحجّیة‏‎ ‎‏إنّما کان فی ظرف الشکّ فی الحجّیة واللاحجّیة ، وهو عین الشکّ فی مضمون أدلّة‏‎ ‎‏الحجّیة التی منها المفهوم ، وإطلاقه لمثل هذه المراتب المتأخّرة غیر ممکن‏‎[9]‎‏ .‏

‏‏وفیه :‏‏ أنّه مبنی علی امتناع شمول إطلاق الجعل للحالات المتأخّرة عنه‏‎ ‎‏ـ کالشکّ ونحوه ـ وقد عرفت بطلانه وأنّ إطلاق الحکم یشمل لبعض الحالات‏‎ ‎‏المتأخّرة من الشکّ والعلم .‏

‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 449
‎‏وبالجملة : أنّ الآیة وسائر الأدلّة وردت رافعة لعامّة الشکوک ، والشکّ فی‏‎ ‎‏حجّیة قول العادل وعدمها أمر ینقدح فی ذهن الإنسان ؛ سواء جعل الحجّیة له أو‏‎ ‎‏لا ، وسواء وقف علیها أو لا .‏

‏‏وحینئذٍ : فلو غضّ عن سائر الإشکالات فلا مانع لو قلنا بأنّ إطلاق الأدلّة‏‎ ‎‏شامل لقول السیّد ؛ حتّی یکون قول السیّد رافعة للشکّ ؛ إذ هو نبأ والحکم معلّق‏‎ ‎‏علی مطلق النبأ ؛ ولکن بشرطین : أحدهما : عدم الإجماع علی الفرق بین النبائین :‏‎ ‎‏نبأ السیّد وسائر الأنباء .‏

‏‏ثانیهما : عدم کون إجماع السیّد ناظراً إلی عدم الحجّیة من أوّل البعثة.‏

‏‏وعند ذلک ؛ جاز الأخذ بالمفهوم وإدخال قول السیّد تحته ، فتکون النتیجة‏‎ ‎‏حجّیة أخبار الآحاد من عصر الرسول إلی زمن السیّد ، وانتهاء أمد الحجّیة فی‏‎ ‎‏زمانه ، کما أفاده المحقّق الخراسانی .‏

‏‏وربّما یجاب :‏‏ بأنّ الأمر دائر بین التخصیص والتخصّص ؛ لأنّ شمول الآیة‏‎ ‎‏لسائر الأخبار یجعلها مقطوع الحجّیة ، فیعلم بکذب خبر السیّد . وأمّا شمولها لخبر‏‎ ‎‏السیّد وإخراج غیره یکون من قبیل التخصیص ؛ لعدم العلم بکذب مؤدّیاتها ؛ ولو مع‏‎ ‎‏العلم بحجّیة خبر السیّد ؛ لأنّ مؤدّیاتها غیر الحجّیة واللاحجّیة‏‎[10]‎‏ .‏

‏‏وفیه أوّلاً :‏‏ أنّ مفاد أدلّة الباب لیس هو الحجّیة ، وإنّما لسانها ومفادها وجوب‏‎ ‎‏العمل ، وینتزع الحجّیة من الوجوب الطریقی ، کما أنّ إجماع السیّد لیس مضمونه‏‎ ‎‏عدم الحجّیة ، بل مفاده حرمة العمل بالأخبار ، وینتزع من الحرمة عدم الحجّیة ؛‏‎ ‎‏وذلک لأنّ الحجّیة واللاحجّیة لیستا من الاُمور القابلة للجعل .‏

‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 450
‎‏فإجماع السیّد أیضاً یرجع إلی الإجماع علی حرمة العمل المنتزع منها عدم‏‎ ‎‏الحجّیة . وعلیه یدور الأمر بین التخصیصین .‏

‏‏وثانیاً :‏‏ أنّ مضمون الآیة لو کان جعل الحجّیة للأخبار فلا إشکال فی عدم‏‎ ‎‏شموله لما قطع بعدم حجّیته أو قطعت حجّیته . فحینئذٍ لو شملت الآیة لخبر السیّد‏‎ ‎‏یصیر خبره مقطوع الحجّیة وخبر غیره مقطوع عدم الحجّیة ـ وإن لم یکن مقطوع‏‎ ‎‏المخالفة للواقع ـ فیصیر حال غیره کحاله فی خروجه تخصّصاً ، فتدبّر .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 451
‎

  • )) الإسراء (17) : 36 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 430 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 175 ـ 176 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 431 .
  • )) رسائل الشریف المرتضی 1 : 24 .
  • )) اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشیخ الأعظم 24 : 264 .
  • )) درر الفوائد ، المحقّق الخراسانی : 110 .
  • )) درر الفوائد ، المحقّق الحائری : 387 .
  • )) نهایة الأفکار 3 : 118 ـ 119 .
  • )) نهایة الأفکار 3 : 119 .