الاستدلال بمعرضیة العامّ للتخصیص علی لزوم الفحص

‏‏الاستدلال بمعرضیة العامّ للتخصیص علی لزوم الفحص‏

‏‏ ‏

‏‏إذا عرفت هذه الاُمور فنقول : الحقّ فی إثبات لزوم الفحص ما سلکه المحقّق‏‎ ‎‏الخراسانی من أنّ معرضیة العامّ للتخصیص یوجب سقوط الاحتجاج به عندهم ،‏‎ ‎‏ولا أقلّ من الشکّ فی ذلک ، وهو کافٍ فی الثبوت‏‎[1]‎‏ ، انتهی .‏

‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 210
‎‏وتوضیحه :‏‏ أنّک إذا تدبّرت فی المحاورات العقلائیة والخطابات الـدائرة‏‎ ‎‏بینهم تجد أنّ دیدنهم فی المحاورات الشخصیة بین الموالی والعبید وغیرهم من‏‎ ‎‏آحاد الناس تختلف مع وضع القوانین وتشریع الشرائع من عند أنفسهم ، فتجدهم‏‎ ‎‏یعملون بالعمومات والمطلقات الصادرة منهم فـی محیط المحاورات ، بلا ترقّب‏‎ ‎‏منهم لمخصّصها ومقیّدها ، ولا انتظار لمخالفها ، بل یأخـذون بالظاهـر ؛ عامّاً کان أو‏‎ ‎‏مطلقاً أو غیره .‏

‏‏والسرّ فی ذلک :‏‏ هو جریان العادة فی تلک الخطابات بذکر مخصّصها بعد‏‎ ‎‏عمومها ومقیّدها عقیب مطلقها ، بلا تفکیک منهم بینهما ؛ بحیث لو لم یجدوها فی‏‎ ‎‏متّصل کلامه لاحتجّوا بظواهرها وعمومها ومطلقها .‏

‏‏ولکن‏‏ تجد دیدنهم فی وضع القوانین ـ مدنیاً کانت أو عالمیاً ـ علی خلاف‏‎ ‎‏ذلک ، فتراهم واقفین أمام کلّ عامّ ومطلق ، باذلین جهدهم فی التفتیش عمّا یصرفهما‏‎ ‎‏عن ظاهرهما .‏

‏‏والسرّ هنا : هو قضاء العادة خلاف ما کان یجری فی المحاورات الشخصیة ،‏‎ ‎‏بل دیدنهم جری فی وضع القوانین علی التفکیک بین العامّ ومخصّصه والمطلق‏‎ ‎‏ومقیّده .‏

‏‏فتراهم یذکرون العمومات والمطلقات فی فصل ومادّة ، ومخصّصاتها‏‎ ‎‏ومقیّداتها وحدودها تدریجاً ونجوماً فی فصول اُخر ، وربّما یذکر الخصوص فی‏‎ ‎‏کتاب وعمومه فی کتاب آخر ، وقد یتقدّم الخاصّ علی العامّ ، إلی غیر ذلک من‏‎ ‎‏رسومهم وعاداتهم التی یقف علیها المتضلّع فی الحقوق . هذا دیدن العقلاء .‏

‏‏وأمّا الشارع الصادع بالحقّ :‏‏ فلم یسلک غیر ما سلکه العقلاء فی وضع‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 211
‎‏قوانینهم ، فتری أنّ قوانینه الکلّیة مذکورة فی الکتاب والسنّة منفصلة عن‏‎ ‎‏مخصّصاتها ومقیّداتها ، وتکون تلک الأحکام المدوّنة فیهما فی معرض التخصیص‏‎ ‎‏والتقیید ، کما هو الحال فی القوانین السیاسیة والمدنیة عند العقلاء .‏

‏‏وما هـذا حالـه لا یمکن التمسّک فیها بالاُصول بمجـرّد العثور علی‏‎ ‎‏عمومـات أو مطلقات من غیر فحص ؛ لما تقدّم‏‎[2]‎‏ من أنّ مجرّد ظهور الکلام‏‎ ‎‏وإجراء أصالة الحقیقة وعـدم القرینة لا یفید شیئاً حتّی یحـرز أنّ الإرادة‏‎ ‎‏الاستعمالیة مطابقة للإرادة الجدّیـة ؛ بحیث لولا هذا الإحراز لاختلّ نظام الحجّیة ،‏‎ ‎‏وکون العامّ فی معرض التدافع والتعارض یمنعهم عن إجراء أصالة التطابق بین‏‎ ‎‏الاستعمال والجدّ .‏

‏‏وقد عرفت : أنّ رحی الحجّة بعد تمامیة بعض مبادئها تدور مداره ، ولا یصیر‏‎ ‎‏الشیء حجّة ولا یطلق علیه الحجّة إلاّ بعد جریان هذا الأصل العقلائی .‏

‏‏والحاصل :‏‏ أنّ مجری هذا الأصل ـ أصالة التطابق بین الإرادتین ـ إنّما هو‏‎ ‎‏بعد الفحص ؛ لعلمهم بعادة موالیهم من تفرّق البیان وتشتّته ، ولا فرق فی ذلک بین‏‎ ‎‏القوانین الإسلامیة الغرّاء وسائر القوانین العقلائیة .‏

‏‏وبما ذکـرنا یتّضح لک :‏‏ أنّ مناط الفحص هـو المعرضیة لا العلم الإجمالی ،‏‎ ‎‏بل مع عدمه أیضاً لو فرض انحلاله کان الفحص واجباً ؛ لعدم تمامیة الحجّیة‏‎ ‎‏العقلائیة .‏

‏‏کما اتّضح :‏‏ عدم الفرق بین المقام والاُصول العملیة ، وأنّ البحث فیهما عن‏‎ ‎‏متمّم الحجّة لا عن مزاحمها ؛ لأنّه کما لا یجری قاعدة العقاب بلا بیان قبل‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 212
‎‏الفحص ، بل لا یتحقّق کونه بلا بیان قبله ؛ لأنّ التبلیغ قد تمّ مـن قبل الشارع ،‏‎ ‎‏وعلماء الاُمّة قد جمعوها فی جوامعهم ، فلا عذر فی ترکه ، فکذلک الاحتجاج‏‎ ‎‏بالعمومات والمطلقات ؛ لأنّه قبل الفحص لا یمکن الاعتماد علی أصالـة التطابق‏‎ ‎‏التی به تتمّ الحجّة .‏

‏‏فظهر : أنّ العمل بها لا یجوز إلاّ بعد الفحص حتّی یجعل ذلک مقدّمة لإجراء‏‎ ‎‏الأصل ـ أصالة التطابق ـ لتمامیة الحجّة .‏

‏‏فإن قلت : ما ذکرت هنا من أنّه لولا الفحص لما تمّ الحجّة ینافی لما هـو‏‎ ‎‏المختار عندک فی باب التعادل والترجیح ؛ من أنّ المطلقات حجّة فعلیة غیر معلّقة‏‎ ‎‏علی المقیّدات الواقعیة ، بل هی بعد وصولها من قبیل المزاحم ، وینقضی بها‏‎ ‎‏أمد الحجّیة‏‎[3]‎‏ .‏

‏‏قلت : إنّ البحث هنا حیثی ؛ فإنّ الکلام هاهنا فی لزوم الفحص ، وقد عرفت‏‎ ‎‏عدم حجّیة عامّ ولا مطلق إلاّ بعده ، والکلام هناک بعد الفحص ، والمختار هناک أنّ‏‎ ‎‏الفقیه إذا تفحّص قدر ما کان یلزمه یصیر کلّ واحد من العامّ والمطلق حجّة فعلیة فی‏‎ ‎‏حقّه ، ولو عثر علی مقیّد أو مخصّص بعده لا یکون المطلق معلّقاً بعدم البیان‏‎ ‎‏الواقعی ؛ بحیث یکون العثور علیه کاشفاً عن عدم حجّیته ، بل ینتهی به أمد الحجّیة .‏‎ ‎‏وقس علیه العامّ .‏

‏‏کلّ ذلک‏‏ علی ما سلکناه ؛ تبعاً للمحقّق الخراسانی من کون المستند لوجوب‏‎ ‎‏الفحص هو المعرضیة .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 213
‎

  • )) کفایة الاُصول : 265 .
  • )) تقدّم فی الصفحة 180 .
  • )) التعادل والترجیح ، الإمام الخمینی قدس سره : 76 ـ 77 .