الثانی‏: الفرق بین هذه المسألة و مسألة النهی فی العبادة

‏‏الثانی : الفرق بین هذه المسألة ومسألة النهی فی العبادة‏

‏‏ ‏

‏‏إذا أحطت خُبراً بما أوضحناه فی صدر الکتاب عند البحث عن تمایز العلوم‏‎ ‎‏وتمایـز مسائل العلم بعضها عـن بعض‏‎[1]‎‏ تقف علی أنّ الفرق بین هـذه المسألة‏‎ ‎‏وبین مسألة النهی فی العبادة أو المعاملة أوضح من أن یخفی ، بل لا جامع بینهما‏‎ ‎‏حتّی نبحث عن تمیّزهما ؛ إذ البحث فی المقام علی ماذکرناه إنّما هو فی جـواز‏‎ ‎‏تعلّق الأمـر والنهی علی عنوانین متصادقین علی واحـد ، کما أنّ البحث هناک فی‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 18
‎‏أنّ النهی إذا تعلّق بالعبادة أو المعاملة هل یقتضی الفساد أو لا ؟‏

‏‏فالمسألتان مختلفتان موضوعاً ومحمولاً ، واختلاف المسائل إنّما هو بهما أو‏‎ ‎‏بأحدهما ؛ لأنّ ذات المسائل متقوّمة بهما ، والتمیّز بأمر ذاتی هو الممیّز بین الشیئین‏‎ ‎‏فی المرتبة المتقدّمة علی التمیّز بأمر عرضی ؛ فضلاً عن الاختلاف بالأغراض .‏

‏‏فما أفاده المحقّق الخراسانی : من أنّ المیز إنّما هو فی الجهة المبحوث عنها ؛‏‎ ‎‏التی هی سرایة کلّ من الأمر والنهی إلی متعلّق الآخر وعدمها فی المقام ، وکون‏‎ ‎‏النهی ـ بعد تسلیم سرایته ـ هل یوجب الفساد أو لا فی غیر المقام‏‎[2]‎‏ .‏

‏‏لیس بصحیح ؛ لأنّ تمایز العلوم إنّما هو بذواتها ، وأنّ میز مسألة عن اُخری‏‎ ‎‏ـ وإن کانتا من مسائل علم واحد ـ إنّما هو بموضوعها ومحمولها معاً أو بأحدهما ،‏‎ ‎‏وإذا کانت القضیة متمیّزة عن اُخری بجوهرها فلا معنی للتمسّک بما هو خارج من‏‎ ‎‏مرتبة الذات .‏

‏‏فإن قلت : إنّ الجهات التعلیلیة فی الأحکام العقلیة راجعة إلی التقییدیة ،‏‎ ‎‏فالسرایة وعدمها من قیود الموضوع لبّاً ، فالمیز صار بنفس الموضوع أیضاً .‏

‏‏قلت : لکن القید بما هو قید متأخّر عن ذات المقیّد ، فیکون الاختلاف بالذات‏‎ ‎‏ممیّزاً قبلها .‏

‏‏أضف إلی ذلک : أنّ الجهة المبحوث عنها لیس هو کون التعدّد فی الواحد‏‎ ‎‏یوجب تعدّد المتعلّق أو لا ؟ أو أنّ النهی والأمر هل یسری کلّ منهما إلی متعلّق‏‎ ‎‏الآخر أو لا ؟ بل ما عرّفناک من جواز الاجتماع ولا جوازه ، ولذلک قلنا : إنّ النزاع‏‎ ‎‏کبروی لا صغروی .‏

‏
‏
‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 19
‎‏وعلیه لا حاجة إلی العدول عن العنوان المعروف إلی شیء آخر الذی هو من‏‎ ‎‏مبادئ إثبات المحمول للموضوع ، ویعدّ من البراهین لإثباته ؛ فإنّ جواز الاجتماع‏‎ ‎‏ولا جوازه یبتنی علی السرایة وعدمها ، وعلی أنّ تعدّد العنوان هل هو مجد أو لا ؟‏

‏‏وبالجملة :‏‏ قد جعل ‏‏قدس سره‏‏ ما یعدّ من المبادئ والبراهین جهة البحث ومحطّ‏‎ ‎‏النزاع ، وهو خارج من دأب المناظرة . هذا کلّه لو أراد بالجهة المبحوث عنها محطّ‏‎ ‎‏البحث ومورد النزاع ، کما هو الظاهر .‏

‏‏وإن أراد علل ثبوت المحمول للموضوع ، أو الغرض والغایة للبحث فالأمر‏‎ ‎‏أوضح ؛ لأنّ اختلاف المسألتین لیس بهما قطعاً ؛ إذ کلّ قضیة متمیّز بصورته الذهنیة‏‎ ‎‏أو اللفظیة قبل أن یقام علیه البرهان ، بل الغالب صوغ المطالب فی قالب الألفاظ‏‎ ‎‏أوّلاً ؛ بحیث یتمیّز کلّ واحد قبل إقامة البرهان عن الآخر ، ثمّ یتفحّص عن براهینه‏‎ ‎‏ومدارکه ، کما أنّ الاختلاف فی الغایة فرع اشتمال کلّ واحد من الأمرین علی‏‎ ‎‏خصوصیة مفقودة فی الآخر ؛ حتّی یستند التغایر إلیها ، ومعه یسقط کون المیز‏‎ ‎‏بالأغراض .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابتهذیب الاصول (ج. ۲): ت‍ق‍ری‍ر اب‍ح‍اث الاس‍ت‍ادالاع‍ظم وال‍ع‍لام‍ه الاف‍خ‍م ... الام‍ام ال‍خ‍م‍ی‍ن‍ی (س)صفحه 20
‎

  • )) تقدّم فی الجزء الأوّل : 16 .
  • )) کفایة الاُصول : 184 .