سورة البقرة

البحث الثانی : حول تجرّد القویٰ

‏‏البحث الثانی‏

‏‏ ‏

‏‏حول تجرّد القویٰ‏

‏‏ ‏

‏‏من الـمحرّر فی محلّـه والـمقرّر عند أهلـه: أنّ الأصل فی الاستعمالات‏‎ ‎‏هو الـحمل علیٰ الـحقیقـة، إلاّ فی صورة استحالـة الـحمل، أو فی صورة قیام‏‎ ‎‏الـقرینـة‏‎[1]‎‏، وفی هذه الآیـة بنوا علیٰ الـمجازیـة؛ لأجل وجود الـقرینـة:‏‎ ‎‏وهی أنّ الـقلوب تفقـه والأسماع والأبصار مشغولـة بالـسمع والإبصار فیکون‏‎ ‎‏الاستعمال علیٰ خلاف الـحقیقـة.‏

‏‏أقول: لأحد أن یقول: بأنّ الـقویٰ الـمجرّدة بمراتبها الـعقلیـة‏‎ ‎‏والإحساسیـة، لیست محسوسـة حتّیٰ یتبـیّـن لنا: أنّها لیست مختومـة ولا‏‎ ‎‏مغشیّـة، فإذا قال اللّٰه تعالـیٰ: ‏‏«‏‏خَتَمَ اللّٰهُ عَلَیٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَیٰ سَمْعِهِمْ‏‏»‏‏، وکان‏‎ ‎‏الـفاعل هو الله تعالـیٰ، وکان محطّ الـفعل الـقلب، وهی مرتبـة الـنفس الـعلیا‏‎ ‎‏غیر الـقابلـة للإحساس والـقوّة الـسامعـة، وهی أیضاً غیر قابلـة للدَّرْک‏‎ ‎‏الـحسّی، ومثلها الـباصرة، ولا یکون الـمراد الاُذُن، ولا الـبصر الـظاهری،‏‎ ‎‏ولا الـجسم الـصنوبری، فلابدّ أن تکون الـنسبـة علیٰ الـحقیقـة، وتکون‏‎ ‎‏الآیـة الـشریفـة دلیـلاً علیٰ تجـرّد هذه الـقویٰ الـمندمجـة فی الـنفس‏‎ ‎‏والـمتعلّقـة بها.‏

‏‏وبعبارة اُخریٰ:‏‏ إن ثبت بدلیل قطعیّ خارجیّ أنّ الـنفس مادّیـة، وهکذا‏
‏
‎

کتابتفسیر القران الکریم: مفتاح أحسن الخزائن الالهیة (ج. 3)صفحه 198
‎‏قواها، فتحمل الآیـة علیٰ الـمجاز فی الإسناد، وإلاّ فقضیّـة الأصل الـمزبور ـ‏‎ ‎‏الـمستنبط من بناء الـعقلاء فی الـمحاورات ـ هو الـحمل علیٰ الـحقیقـة‏‎ ‎‏الـلازم لکشف حال الـنفس، وأنّها من الـمجرّدات والـلطائف الـروحانیـة،‏‎ ‎‏وأنّها تتکدّر بالـمعاصی والآثام، فیطبع علیٰ إدراکها الـعَقْلانی وحسّها الـسمعی،‏‎ ‎‏ویجعل علیٰ بصرها الـغشاوة الـتی تناسب ذات الإنسان والـجوهر الـمجرّد؛‏‎ ‎‏من الـطبع والـغشاوة، لا الـغشاوة والـطبع الـجسمانیـین؛ وذلک لأنّ طبع کلّ‏‎ ‎‏شیء بحسبـه، وغشاوة کلّ موجود بالـنسبـة.‏

‏‏وفی النتیجة:‏‏ وصلنا الـیٰ أنّ أرباب الـفضل والـتفسیر ـ صدراً وذیلاً ـ‏‎ ‎‏انغمروا فی ماء الـمادّیـة وبحر الـطبـیعـة الـجسمانیـة، فلم یجدوا هناک طبعاً‏‎ ‎‏ولا غشاوة، فحملوهما علیٰ ما حملوه، ولو تفطّنوا الـیٰ هذه الـمنزلـة الـرفیعـة‏‎ ‎‏وتلک الـلطافـة والـصفاء فی الـجوهر الإنسانی، لحکموا بأنّ هذه الـنسب کلّها‏‎ ‎‏علیٰ الـحقیقـة فی هذه الـمنزلـة والـلحظـة، فلا تخلط.‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابتفسیر القران الکریم: مفتاح أحسن الخزائن الالهیة (ج. 3)صفحه 199
‎

  • )) راجع تحریرات فی الاُصول 1 : 165 وما بعدها .