الفصل السابع فی مسألة الضدّ

الصورة الخامسة

الصورة الخامسة :

‏ ‏

‏أی من الصور التی تحتاج إلیٰ کبریٰ باب التزاحم، ما إذا ابتلی المکلّف‏‎ ‎‏بتکلیفین:‏

أحدهما :‏ مشروط بالقدرة العقلیّة، کما هو شأن جمیع التکالیف وإن لایلزم‏‎ ‎‏من الاشتراط خصوصیّة لازمة ، کما یأتی تفصیله‏‎[1]‎‏.‏

وثانیهما :‏ مشروط بالقدرة الشرعیّة.‏

‏فإنّ مقتضی العقل تقدیم الأوّل علی الثانی، وهو المتفاهم عرفاً من الأدلّة.‏

مثلاً :‏ إذا ورد الأمر بحفظ النفس المحترمة، وورد الأمر بالوضوء عند وجدان‏‎ ‎‏الماء، فإنّ العقل والعرف حاکمان بلزوم صرف الماء ـ غیر الکافی إلاّ لأحدهما ـ فی‏‎ ‎‏حفظ النفس المحترمة، وبالتیمّم وبالطهور الترابیّ؛ لأنّ عند لزوم الصرف فی‏‎ ‎‏التکلیف الأوّل، یعدّ عرفاً غیر واجد الماء.‏

‏أو لأجل أنّ المستفاد من الأدلّة الشرعیّة من الکتاب‏‎[2]‎‏ والسنّة‏‎[3]‎‏ ـ حسبما‏‎ ‎


کتابتحریرات فی الاصول (ج. 3)صفحه 366
‏تحرّر‏‎[4]‎‏ـ وجوب ذاک، وعدم جواز صرفه فی الوضوء؛ لأنّ موضوع الوضوء أعمّ‏‎ ‎‏من عدم الوجودان الواقعیّ والشرعیّ، وإن شئت قلت : الممتنع الشرعیّ‏‎ ‎‏کالممتنع العقلیّ.‏

‏فعلیٰ هذا، یأتی الکلام فی أنّ المکلّف إذا بنیٰ علیٰ عصیان الأمر الأهمّ،‏‎ ‎‏وعدم الاعتناء بشأنه، فهل یصحّ وضوؤه وغسله؛ بتوهّم أنّ ذلک بعد البناء المزبور‏‎ ‎‏یصیر مورد الأمر، أم لا ؟ لأجل تقیید أمر الوضوء بالماء الذی لا محذور فی‏‎ ‎‏استعماله، ولایلزم منه مخالفة المولیٰ، ومع التقیید لایمکن کشف الملاک اللاّزم ـ‏‎ ‎‏حسب المقدّمات السابقة ـ فی کشف الأمر بالمهمّ.‏

أقول :‏ قد اختلفت کلمات أرباب الترتّب؛ فعن جماعة منهم عدم جریان‏‎ ‎‏الترتّب هنا‏‎[5]‎‏؛ لما اُشیر إلیه، وعن بعضهم جریانه؛ لأنّ ذلک یستلزم عدم جریان‏‎ ‎‏الترتّب مطلقاً، ضرورة أنّه إذا کان الأمر بالمهمّ بعد کشف الملاک، یلزم الدور؛ لأنّ‏‎ ‎‏کشف الملاک أیضاً بالأمر‏‎[6]‎‏.‏

‏والذی هو الحقّ عندنا علیٰ ما سلکناه فی علاج باب التزاحم: أنّ مورد‏‎ ‎‏المزاحمة بین التکالیف، لابدّ وأن یکون بحیث لو أمکن للمکلّف الجمع، لتعیّن‏‎ ‎‏الجمع بأیّ وجه اتفق‏‎[7]‎‏.‏

‏فإذا ابتلی المکلّف فی المثال المزبور، فهل تریٰ أنّ الشرع لایکون له إلاّ‏‎ ‎‏مطلوب واحد، ولا مطلوب آخر أصلاً، کما فی تخصیص العامّ وتقیید المطلق، أم أنّ‏‎ ‎


کتابتحریرات فی الاصول (ج. 3)صفحه 367
‏العقل یدرک مطلوبیّة کلّ واحد منهما، إلاّ أنّ المحذور العقلیّ اقتضیٰ صرف الماء فی‏‎ ‎‏حفظ النفس المحترمة، ولو تخلّف عن ذلک، وبنیٰ علیٰ عدم الاعتناء، یکون الوضوء‏‎ ‎‏مورد الأمر؛ لأنّه لا قصور فی ملاک الوضوء قطعاً وجزماً، لأنّ الوجدان حاکم بأنّ‏‎ ‎‏الشرع لأجلها أمر بالترابیّة، فلو کان العبد غیر مبالٍ بحفظها فعلیه الوضوء.‏

‏ولأجل ذلک أفتیٰ من أفتیٰ بصحّة الوضوء والغسل‏