المقصد الثامن فی الظنّ

ثالثها : فی بیان مقدّمات انعقاد الظهور التصدیقی

‏‏ثالثها : فی بیان مقدّمات انعقاد الظهور التصدیقی‏

‏‏ ‏

‏‏لا بأس بالإشارة إلی الاُمور التی بها ینعقد الظهور التصدیقیّ للکلام؛ حتّیٰ‏‎ ‎‏یصیر البحث هنا نافعاً وکاملاً:‏

‏
‏
‎

کتابتحریرات فی الاصول (ج. 6)صفحه 303
‎‏فمنها:‏‏ العلم بالوضع، سواء حصل من التبادر والاطلاع الخاصّ، أم بأصالة‏‎ ‎‏اتحاد العرفین وعدم النقل والاستصحاب القهقریّ، أو لقول اللغویّ؛ بناء علی القول‏‎ ‎‏باعتباره.‏

‏‏وهذا کما یحتاج إلی العلم بالموادّ، لابدّ من العلم بالهیئات التامّة والناقصة؛‏‎ ‎‏فإنّ لکلّ منها وضعاً خاصّاً نوعیّاً، أو شخصیّاً أحیاناً.‏

‏‏ومنها:‏‏ العلم بالاستعمال؛ وأنّه حقیقیّ أو مجازیّ، کنائیّ أو استعاریّ، فإنّه إذا‏‎ ‎‏حصل ذلک فلا مورد للرجوع إلیٰ أصالة الحقیقة، أو أصالة عدم القرینة، وعدم‏‎ ‎‏التخصیص والتقیید.‏

‏‏وأمّا إذا شکّ فی ذلک؛ وأنّه هل اُرید منه المعنی الحقیقیّ، أم المجازیّ لو کان‏‎ ‎‏له المعنی المجازیّ؟ فالحقّ أنّ حدیث أصالة الحقیقة فی قبال المجاز؛ واستعمال‏‎ ‎‏اللفظ فی غیر ما وضع له، لا أصل لها؛ لما تحرّر فی محلّه: من أنّ جمیع‏‎ ‎‏الاستعمالات المجازیّة، تکون من استعمال اللفظ فی ما وضع له بحسب الإرادة‏‎ ‎‏الاستعمالیّة، وحدیث استعمال اللفظ فی غیر ما وضع له، باطل عاطل جدّاً، سواء‏‎ ‎‏فیه المجاز المرسل، والکنایات، والاستعارات، فلا شکّ فیه حتّیٰ یرجع إلی‏‎ ‎‏الأصل‏‎[1]‎‏. هذا علیٰ مذهب الحقّ فی هذه المرحلة.‏

‏‏وأمّا علی القول المشهور فالحقّ: أنّ أصالة الحقیقة لا أصل لها؛ لأنّ‏‎ ‎‏الاستعمال المجازیّ أمر عقلائیّ، دائر فی جمیع مراحل الحیاة؛ حتّیٰ فی‏‎ ‎‏الاستعمالات القرآنیّة، بل وفی السنّة النبویّة، ولذلک قیل: «إنّ الاستعمال أعمّ من‏‎ ‎‏الحقیقة، ولا یکون دلیلاً علیها»‏‎[2]‎‏.‏

‏
‏
‎

کتابتحریرات فی الاصول (ج. 6)صفحه 304
‎‏نعم، هنا وجه آخر: وهو أنّ المتکلّم الحکیم المرید من الکلام إیفاء المرام؛‏‎ ‎‏وتحقیق الآمال فی الأنام، لابدّ له من ذکر القرینة عند إرادة المجاز، وحیث هی غیر‏‎ ‎‏موجودة، فیعلم منه إرادة المعنی الحقیقیّ؛ فراراً من نقض المرام، ومن التخلّف عن‏‎ ‎‏دیدن الناس والعقلاء فی المحاورات والمراسلات والمکالمات وغیرها.‏

‏‏وتوهّم وجود القرینة حین الإلقاء، ولم تصل إلینا؛ لکثرة الدوافع، یدفعه‏‎ ‎‏الأصل العقلائیّ.‏

‏‏وإلیه یرجع تمسّک القوم بأصالة عدم القرینة فی هذه المرحلة، وقد صرّح‏‎ ‎‏الشیخ برجوع أصالة عدم التخصیص والتقیید إلیه أیضاً عند الشکّ فی وجودهما‏‎[3]‎‏،‏‎ ‎‏فالمستند أصل عدمیّ واحد؛ وهو أصالة عدم القرینة.‏

‏‏أقول:‏‏ الحقّ أنّه علی المبنی المشهور یشکل الأمر؛ لأنّ أصالة عدم القرینة إن‏‎ ‎‏کان معناها أصل عدم الاستناد إلی القرینة، فهو لیس معنیً عقلائیّاً؛ لکثرة الاستناد‏‎ ‎‏إلی القرائن فی المجازات الکثیرة.‏

‏‏وإن اُرید منها: أنّه لو کان مستنداً إلیها لوصل، فیعلم منه عدم الاستناد؛ لأنّ‏‎ ‎‏ذلک یرجع إلیٰ أصالة عدم النقیصة بعد وصول أصل الکلام.‏

‏‏ففیه:‏‏ أنّه یجوز الاستناد إلی القرینة المنفصلة؛ إمّا لجواز التأخیر عن وقت‏‎ ‎‏الحاجة، أو لعدم بلوغ الحاجة بالتأخیر، کما هو کذلک فی العامّ المتأخّر عنه‏‎ ‎‏المخصّص، والمطلق مثله أیضاً.‏

‏‏فعلیٰ هذا، ما هو الأمر العقلائیّ هو أنّ الاستعمال حقیقیّ، ولا مجاز، وإرادة‏‎ ‎‏المعنی الآخر من اللفظ، تحتاج إلی القرینة، وهی مفقودة، فیکون المراد الجدّی‏‎ ‎‏معناه الظاهر.‏

‏‏مثلاً:‏‏ إذا ورد «أکرم زیداً الذی یکثر رماده» وشکّ فی أنّه اُرید منه معناه‏‎ ‎

‏
‏
‎

کتابتحریرات فی الاصول (ج. 6)صفحه 305
‎‏المطابقیّ، أو الکنائیّ، فإنّه لولا القرینة الحالیّة والمقالیّة، یحمل علی المطابقیّ، بعد‏‎ ‎‏کون الاستعمال علیٰ کلّ تقدیر حقیقیّاً؛ لأنّ ذلک هو بناء العقلاء، وأمّا إذا فرض أنّ‏‎ ‎‏الاستعمال یحتمل کونه مجازیّاً، فأصالة عدم القرینة لا تفید الحقیقة.‏

‏‏اللهمّ إلاّ أن یقال: إنّ الأمر لا یختلف بحسب حکم العقلاء؛ وفی مرحلة‏‎ ‎‏الاحتجاج والمخاصمة، ولا یعتنون باحتمال وجود القرینة غیر الواصلة ولو کان‏‎ ‎‏الاستعمال المجازیّ کثیراً، وموانع وصول القرائن أیضاً کثیرةً؛ وإلاّ للزم المنع عن‏‎ ‎‏تمامیّة الحجّة حتّیٰ علی المبنی الأوّل، کما لا یخفیٰ.‏

‏‏وبالجملة:‏‏ التعبیر عن الأصل العقلائیّ المزبور «بأصالة عدم القرینة» غیر‏‎ ‎‏ظاهر؛ لأنّ المعنی الظاهر منه، هو استصحاب عدم وجود القرینة، أو أصالة عدم‏‎ ‎‏الحاجة إلیها.‏

‏‏ولذلک عدل عنه العلاّمة الخراسانیّ، وعبّر عنه بـ «أصالة الظهور»‏‎[4]‎‏ وهو‏‎ ‎‏أیضاً علیٰ مسلکه فی باب المجازات‏‎[5]‎‏ غیر کافٍ؛ لاحتیاج الکلام أوّلاً إلیٰ إثبات‏‎ ‎‏کونه من الاستعمال الحقیقیّ، ثمّ إلیٰ أنّ ما هو ظاهر الاستعمال مورد الجدّ المعبّر‏‎ ‎‏عنه بـ «أصالة الجدّ».‏

‏‏ ‏

‏‎ ‎

‏‎

کتابتحریرات فی الاصول (ج. 6)صفحه 306
‎

  • )) تقدّم فی الجزء الأوّل : 141 ـ 143 .
  • )) معالم الدین : 47 / السطر 5 ـ 7، قوانین الاُصول : 29 / السطر12 و 30 / السطر17،الفصول الغرویّة : 41 / السطر37 .
  • )) فرائد الاُصول 1 : 54 .
  • )) کفایة الاُصول : 324 و 325 .
  • )) کفایة الاُصول : 35 .