الفصل الأوّل : ذکر شؤون الفقیه

الأمر الثانی : بیان مقدّمات الاجتهاد

الأمر الثانی بیان مقدّمات الاجتهاد

‏ ‏

‏موضوع جوازالعمل علی رأیه ـ بحیث یکون مثاباً أومعذوراً فی العمل به‏‎ ‎‏عقلاً وشرعاً ـ هو تحصیل الحکم الشرعیّ المستنبط بالطرق المتعارفة لدیٰ‏‎ ‎‏أصحاب الفنّ، أو تحصیل العذر کذلک، وهو لا یحصل إلاّ بتحصیل مقدّمات‏‎ ‎‏الاجتهاد، وهی کثیرة:‏

منها:‏ العلم بفنون العلوم العربیّة بمقدار یحتاج إلیه فی فهم الکتاب والسنّة،‏‎ ‎‏فکثیراً ما یقع المحصّل فی خلاف الواقع؛ لأجل القصور فی فهم اللّغة‏‎ ‎‏وخصوصیّات کلام العرب لدی المحاورات، فلابدّ له من التدبّر فی محاورات أهل‏‎ ‎‏اللّسان، وتحصیل علم اللّغة وسائر العلوم العربیّة بالمقدار المحتاج إلیه.‏

ومنها:‏ الاُنس بالمحاورات العرفیّة وفهم الموضوعات العرفیّة؛ ممّا جرت‏‎ ‎‏محاورة الکتاب والسنّة علی طبقها، والاحتراز عن الخلط بین دقائق العلوم‏

کتابالاج‍ت‍ه‍اد و التقلیدصفحه 9
‏والعقلیّات الرقیقة وبین المعانی العرفیة العادیّة؛ فإنّه کثیراً ما یقع الخطأ لأجله، کما‏‎ ‎‏یتّفق کثیراً لبعض المشتغلین بدقائق العلوم ـ حتّیٰ اُصول الفقه بالمعنی الرائج فی‏‎ ‎‏أعصارنا ـ الخلطُ بین المعانی العرفیّة السوقیّة الرائجة بین أهل المحاورة المبنیّ‏‎ ‎‏علیها الکتاب والسنّة، والدقائق الخارجة عن فهم العرف.‏

‏بل قد یوقع الخلط لبعضهم بین الاصطلاحات الرائجة فی العلوم الفلسفیّة أو‏‎ ‎‏الأدقّ منها، وبین المعانی العرفیّة، فی خلاف الواقع لأجله.‏

ومنها: ‏تعلّم المنطق بمقدار تشخیص الأقیسة، وترتیب الحدود، وتنظیم‏‎ ‎‏الأشکال من الاقترانیّات وغیرها، وتمییز عقیمها من غیرها، والمباحث الرائجة‏‎ ‎‏منه فی نوع المحاورات؛ لئلاّ یقع فی الخطأ، لأجل إهمال بعض قواعده. وأمّا‏‎ ‎‏تفاصیل قواعده ودقائقه الغیر الرائجة فی لسان أهل المحاورة، فلیست لازمة، ولا‏‎ ‎‏یحتاج إلیها فی الاستنباط.‏

ومنها:‏ ـ وهو من المهمّات ـ العلم بمهمّات مسائل اُصول الفقه؛ ممّا هی‏‎ ‎‏دخیلة فی فهم الأحکام الشرعیّة. وأمّا المسائل التی لا ثمرة لها، أو لا یحتاج فی‏‎ ‎‏تثمیر الثمرة منها إلیٰ تلک التدقیقات والتفاصیل المتداولة، فالأولیٰ ترک التعرّض‏‎ ‎‏لها، أو تقصیر مباحثها والاشتغال بما هو أهمّ وأثمر. فمن أنکر دخالة علم الاُصول‏‎ ‎‏فی استنباط الأحکام‏‎[1]‎‏، فقد أفرط؛ ضرورة تقوّم استنباط کثیر من الأحکام‏‎ ‎‏بإتقان مسائله، وبدونه یتعذّر الاستنباط فی هذا الزمان، وقیاس زمان أصحاب‏

کتابالاج‍ت‍ه‍اد و التقلیدصفحه 10
‏الأئمّة بزماننا مع الفارق من جهات.‏

‏وظنّی أنّ تشدید نکیر بعض أصحابنا الأخباریّین علی الاُصولیّین فی‏‎ ‎‏تدوین الاُصول، وتفرّع الأحکام علیها‏‎[2]‎‏، إنّما نشأ من ملاحظة بعض مباحث کتب‏‎ ‎‏الاُصول؛ ممّا هی شبیهة فی کیفیّة الاستدلال والنقض والابرام بکتب العامّ، فظنّوا‏‎ ‎‏أنّ مبانی استنباطهم الأحکام الشرعیّة أیضاً شبیهة بهم؛ من استعمال القیاس‏‎ ‎‏والاستحسان والظنون، مع أنّ المطّلع علیٰ طریقتهم فی استنباطها، یریٰ أنّهم لم‏‎ ‎‏یتعدّوا عن الکتاب والسّنة والإجماع الراجع إلیٰ کشف الدلیل المعتبر، لا المصطلح‏‎ ‎‏بین العامّة‏‎[3]‎‏.‏

‏نعم