المبحث الثانی : فی أقسام البیع بحسب الأسباب

الاستدلال بآیة الاعتداء

‏‏الاستدلال بآیة الاعتداء‏

‏‏ ‏

‏‏إذا تلف ا لمبیع فإن کان مثلیّاً وجب مثلـه ، أو قیمیّاً وجبت قیمتـه .‏

‏‏وقد استدلّ شیخ ا لطائفـة ‏‏قدس سره‏‏ علیـه بقولـه تعا لیٰ : ‏‏«‏‏فَمَنِ اعْتَدَیٰ عَلَیْکُمْ‏‎ ‎‏فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَیٰ عَلَیْکُمْ‏‏»‏‎[1]‎‏ .‏

‏‏قال فی «ا لخلاف» فی بیان ا لمنافع ا لمضمونـة : «وا لمثل مثلان ، مثل من‏‎ ‎‏حیث ا لصورة ، ومثل من حیث ا لقیمـة ، فلمّا لم یکن للمنافع مثل من حیث‏‎ ‎‏ا لصورة ، وجب أن یلزمـه من حیث ا لقیمـة» ثمّ ادعیٰ إجماع ا لفرقـة علیـه‏‎[2]‎‏ .‏

‏‏أقول : تقریب ا لضمان‏‏ ـ بعد ما کان ظاهر الآیـة هو الاعتداء با لمثل ، وهو‏‎ ‎‏یناسب ا لتقاصّ لا ا لضمان ـ ‏‏أن یقال :‏‏ إنّ ا لحکم بأخذ مثل ما اعتدیٰ علیـه أو‏‎ ‎‏قیمتـه ، کاشف عرفاً عن کون الآخذ ذا حقّ علیـه ، فیکون ا لأخذ بهما بحقّ وتقاصّاً‏
‏
‎

کتاب البیعج. 1صفحه 479
‎‏لما اشتغلت ذمّـتـه بـه ، لا أخذاً مجّاناً وبلا عوض .‏

‏‏فیستفاد من إجازة ا لأخذ با لمثل وا لقیمـة أنّ ا لاعتداء موجب للضمان ،‏‎ ‎‏ولایکون محرّماً صرفاً ، ولا إجازة ا لأخذ إجازة ارتکاب محرّم فی مقابل ارتکاب‏‎ ‎‏ا لمتعدّی محرّماً ، ولهذا لا یفهم من الآیـة ا لکریمـة إجازة ارتکاب ا لتجاوز بأهل‏‎ ‎‏من ارتکب ا لتجاوز بأهلـه .‏

‏‏فا لظاهر من الآیـة أنّ ا لمأخوذ من مال ا لمتعدّی یصیر ملکاً للمظلوم ،‏‎ ‎‏ویکون ا لأخذ با لحقّ ا لثابت .‏

‏‏فما قیل :‏‏ من أنّ الآیـة لم تدلّ علی ا لضمان ، بل تدلّ علیٰ جواز ا لتقاصّ‏‎[3]‎‏ ،‏‎ ‎‏فی غیر محلّـه .‏

‏‏وبا لجملـة :‏‏ ظاهرها إجازة ا لاعتداء با لمثل ، لا زائداً علیـه ، وهو دلیل علی‏‎ ‎‏ا لضمان ، کما هو مبنی استدلال شیخ ا لطائفـة ، وا لطبرسی‏‎[4]‎‏ وغیرهما ـ قدّست‏‎ ‎‏أسرارهم ـ‏‎[5]‎‏ بها علی ا لضمان .‏

‏‏لکن یرد علیـه :‏‏ أ نّـه لا شبهـة فی دخول ا لاعتداء با لحرب فی الآیـة ، لو لم‏‎ ‎‏نقل باختصاصها بـه ؛ لأجل کونها فی خلال آیات ا لجهاد ، کقولـه تعا لیٰ : ‏‏«‏‏وَلاَ‏‎ ‎‏تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّیٰ یُقَاتِلُوکُمْ فِیهِ فَإِنْ قَاتَلُوکُمْ فَاقْتُلُوهُمْ‏‏»‏‎[6]‎‏ .‏

‏‏وقولـه تعا لیٰ : ‏‏«‏‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّیٰ لاَ تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّینُ لله فَإِنِ انْتَهَوْا‏‎ ‎‏فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَیٰ الظَّالِمِینَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏
‏
‎

کتاب البیعج. 1صفحه 480
‎‏فَمَنِ اعْتَدَیٰ عَلَیْکُمْ . . .‏‏»‏‎[7]‎‏ إلیٰ آخرها .‏

‏‏ثمّ قال تعا لیٰ : ‏‏«‏‏وَأَنْفِقُوا فِی سَبیلِ اللّٰهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأیْدِیکُمْ إِلَی التَّهْلُکَةِ‏‏»‏‎[8]‎‏ .‏

‏‏فالآیـة علیٰ ما قال ا لمفسّرون‏‎[9]‎‏ ، راجعـة إلیٰ وقعـة ا لحدیبیـة ، وصدّ‏‎ ‎‏ا لمشرکین رسول الله  ‏‏صلی الله علیه و آله وسلم‏‏ فی عام ا لست فی ذی ا لقعدة عن ا لمناسک ، ودخل فی‏‎ ‎‏سنـة ا لسبع فی ذی ا لقعدة للمناسک ، واعتمر وقضی ا لمناسک .‏

‏‏فمعنیٰ ‏‏«‏‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ‏‏»‏‏ یحتمل أن یکون أنّ ذا ا لقعدة ا لذی‏‎ ‎‏قضیتم مناسککم فیـه ، بإزاء ذی ا لقعدة فی ا لسنـة ا لسابقـة ا لتی فیها منعتم عنها .‏

‏‏ویحتمل‏‏ أن یراد أنّ قتا لکم معهم فی ا لشهر ا لحرام بإزاء قتا لهم معکم فیـه .‏

‏‏وقولـه : ‏‏«‏‏وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏‏»‏‏ علی ا لمعنی ا لثانی ، یراد بـه ظاهراً أنّ‏‎ ‎‏ا لقتال فی ا لحرم ، وا لشهر ا لحرام ، وا لبلد ا لحرام قصاص ، فی مقابل حربهم معکم‏‎ ‎‏وهتکهم ا لحرمات ا لثلاث .‏

‏‏فقولـه : ‏‏«‏‏فَمَنِ اعْتَدَیٰ‏‏»‏‏ تفریع علیٰ ذلک ، فهو إمّا مختصّ با لحرب ، فلا‏‎ ‎‏دلالـة فیـه علی ا لضمان ا لمطلوب ، أو کبریٰ کلّیـة ، فلا محا لـة یکون ا لاعتداء‏‎ ‎‏با لحرب داخلاً فیها ، ولایمکن إخراج ا لمورد عنها وتخصیصها بمورد ا لما لیّات .‏

‏‏ومع دخول ا لحرب وکونها مورد الآیـة ، لایمکن إرادة ا لمثلیّـة فی ا لمعتدیٰ‏‎ ‎‏بـه ؛ بأن یراد أنّ ا لمقاتلین إذا قتلوا منکم عدداً معلوماً ، اقتلوا منهم بهذا ا لعدد‏‎ ‎‏خاصاً ، وإذا أصاب سهم واحد منهم عضواً خاصّاً منکم ، لایجوز لکم ا لتعدّی عن‏‎ ‎‏ذلک ا لعضو ، وهذا واضح ، فلا یراد با لمثل فی مورد ورود الآیـة ا لمماثلـة فی‏
‏
‎

کتاب البیعج. 1صفحه 481
‎‏مقدار ا لاعتداء .‏

‏‏بل ا لظاهر أنّ ا لمراد منـه أنّ ا لکفّار إن اعتدوا علیکم ، فاعتدوا علیهم کما‏‎ ‎‏أ نّهم اعتدوا علیکم ، فإذا لم یکن ا لمثل فی موردها ، کذلک لایمکن استفادة ضمان‏‎ ‎‏ا لمثل فی غیر موردها بإطلاقها .‏

‏‏وا لمثلیّـة فی أصل ا لاعتداء لاتفید فی إثبات ا لمطلوب ، بل ا لقرینـة‏‎ ‎‏ا لمذکورة ، أی عدم تقدیر ا لمقابلـة با لمثل ، وجواز ا لتجاوز عنـه ، قائمـة علیٰ عدم‏‎ ‎‏دخول ا لما لیّات فیها ، فهی إمّا مختصّـة با لحرب ، أو شاملـة لما هو نظیرها ،‏‎ ‎‏کمدافعـة ا للص وا لمهاجم .‏

‏‎ ‎

‏‎

کتاب البیعج. 1صفحه 482
‎

  • )) ا لبقرة (2) : 194 .
  • )) ا لخلاف 3 : 402 ـ 403 .
  • )) حاشیـة ا لمکاسب ، ا لمحقّق الإیروانی 1 : 98 / ا لسطر 20 .
  • )) مجمع ا لبیان 1 : 514 .
  • )) ا لسرائر 2 : 48 ، تذکرة ا لفقهاء 2 : 383 / ا لسطر 3 ، ا لدروس ا لشرعیّـة 3 : 113 ، جامع ا لمقاصد 6 : 245 .
  • )) ا لبقرة (2) : 191 .
  • )) ا لبقرة (2) : 193 ـ 194 .
  • )) ا لبقرة (2) : 195 .
  • )) ا لتبیان فی تفسیر ا لقرآن 2 : 149 ـ 150 ، مجمع ا لبیان 1 : 513 ـ 514 ، تفسیر ا لقرطبی2 : 354 .