الحرّیة فی نظر الإمام الخمینی


صدرالدین القبانچی


نقاط فی المقدمة


فی بدایة البحث کان علیَّ أن اُشیر الیٰ بعض النقاط :


أولاً : اننا فی هذا البحث لسنا بصدد اکتشاف ما هی النظریة الإسلامیّة فی الحریة لیفرض علینا ذلک مراجعة فی مصادر الاستدلال فی الفقه الإسلامی وهی القرآن والسنّة ، وانما نحن بصدد استکشاف نظریة الإمام الخمینی ـ قدس سره ـ فی الحریة وفقاً لما صرّحت به کلماته فی مجموع خطبه أو کتبه ، و من هنا فان مصدرنا فی هذا البحث سیکون النصوص المأثورة عنه فقط .


ومن الطبیعی ان نظریة الإمام فی الحریة انما تمثل اجتهاداً فی فهم النظریة الإسلامیّة فی الحرّیة ، لان الامام کان یمارس دوره ویدلی بتصریحاته وفقاً لاجتهاده العلمی وانطلاقاً من فهمه للاسلام فی هذا المجال .


ثانیاً : کما اننا بصدد البحث عمّا یمکن أن نسمّیه بالحریة القانونیة ولیس البحث عن الحریة الشرعیّة فی الإسلام .


حیث اننا فی هذه الدراسة انما نبحث عن معرفة مدیٰ حریة الأفراد والجماعات فی حدود القانون الدستوری للدولة الإسلامیّة ولیس عن مدیٰ حریة الافراد والجماعات فی حدود ما هو المفروض علیهم فی الشریعة الالهیة فیما بینهم وبین الله  تعالیٰ .


وتوضیح ذلک : ان الشریعة الالهیّة قد تمارس احیاناً نوعاً من الالزام بینما یقف القانون حیادیاً تجاهه ، فالصلاة والصوم مثلاً واجبان فی الشریعة والانسان المسلم لیس حراً فی ترکهما لکن القانون فی الدولة لا یلاحق الافراد والجماعات علیها فهم أحرار من هذه الناحیة .


هذا الأمر هو الذی یضطرنا للفصل بین الحریة القانونیة والحریة الشرعیّة .


ونحن فی هذه الدراسة انما نبحث عن الحریة القانونیّة فی الإسلام من وجهة نظر الإمام الخمینی ولسنا بصدد معرفة ما هی الحریة الشرعیة فی الإسلام .


ثالثاً : اننا لم نقصر البحث علی حقل خاص من حقول الحریة ، وانما حاولنا معرفة نظریة الإمام الخمینی فی الحریة علیٰ مستویٰ الحقول کلها السیاسیة ، والثقافیّة والاعلامیّة والاجتماعیّة ، وذلک ان کلمات الإمام کانت غیر مختصة بحقل واحد من تلک الحقول .


نستطیع أن نستجلی ونلخّص نظریة الإمام الخمینی فی الحریة فی مجموعة مفردات :


 


1) الحریة حق مشروع للجمیع


تُطالعنا فی نصوص الإمام الراحل تصریحات کثیرة تؤکد اعتبار الحریة حقاً مشروعاً لکل أبناء المجتمع ، بما یشمل ذلک الاحزاب السیاسیّة ، والاقلیات الدینیة ، والقومیات المختلفة ، وان الحریة تمثل أصلاً فی سیاسة الحکومة الإسلامیّة لا یمکن تجاوزه .


الحریة علیٰ مستویٰ الافکار والمعتقدات . أو علیٰ مستویٰ التحرک السیاسی ، أو التحرک الاعلامی ، أو علی مستویٰ التحرک الاجتماعی للأفراد .


وقد کانت کلمات الإمام فی هذا المجال واضحة ، ومؤکدة حتیٰ اعتبرت الحریة أحد الأرکان الثلاثة لسیاسة الجمهوریة الإسلامیّة وهی «الاستقلال، الحریة ، الجمهوریة الإسلامیّة» .


بهذا الصدد لنستمع الی الإمام فیما یقول :


«فی الإسلام حرّیة لکل الطبقات ، للمرأة ، للرجل ، للأبیض ، للأسود ، للجمیع[1] .. .» 316


«فی اطار الجمهوریة الإسلامیّة تستطیع کل الأحزاب أن تتحدث عن وجهة نظرها .. .» 214


«حریة التعبیر والقلم والعقیدة موجودة للجمیع .. .» 211


«الأقلیات الدینیّة لیست فقط حرّة بل ان الدولة الإسلامیّة مسؤولة فی الدفاع عن حقوقهم .» 208


 2) الهدف الأقصیٰ هو الإسلام


و مهما بلغت تأکیدات الإمام علیٰ الحریة باعتبارها مبدءاً اساسیاً فی الإسلام ، إلاّ ان کلمات الإمام کانت اکثر تأکیداً ، وأعمق رسوخاً ، وأشد بیاناً فی أن هدفنا الاقصیٰ من حرکتنا السیاسیّة انما هو الإسلام وتطبیق رسالة الله  فی الأرض .


لقد جهد الإمام مشکوراً ، لیبقیٰ الإسلام هو الهدف المقدّس فی قلوب الناس ، وتبقیٰ کل الاهداف والطموحات الاخریٰ دونه فی الموقع والاهمیّة ، اسمعه یقول مخاطباً الطلاب الجامعیین :


«لیس کل هدفنا ان نکون أحراراً . لیس کل هدفنا ان نکون مستقلین . هل أعطیٰ الایرانیون شبابهم من أجل ان نکون أحراراً فی بُعدنا الحیوانی؟ أو من اجل ان تتحول ایران الیٰ شعب الصدر الإسلامی ، ویتحول شبابها الیٰ شباب الصدر الإسلامی حیث تکون الشهادة عندهم فوزاً وسعادة .. .» 219


«ان شعبنا أعطیٰ دمه من أجل الدین.


ان شعبنا صار تبعاً لسید الشهداء(ع) .


فلماذا اعطیٰ الحسین دمه ؟


هل کان یرید حکماً؟


هل کان یرد حریة واستقلالاً؟


کان یرید الله  .


کان یرید تطبیق الإسلام فی الخارج .» 268


ویقول صارخاً ومؤکداً :


«الهدف هو إحیاء الإسلام ، أحکام الإسلام ، الاحکام العالمیّة فی الإسلام وتطبیقها ویکون الجمیع فی رفاه وحریة واستقلال .. .» 318


ونجده لا یُبقی ستاراً علی هذه الحقیقة حینما سأله الصحفی :


ـ سماحة الإمام هل یمکن أن توضحوا لنا من أجل الحریة جاهد هذا الشعب أم من أجل الإسلام؟


حیث قال بکل وضوح :


«هذا الشَعب قاتَل من أجل الإسلام .» 326


حقاً اننا یجب أن نقف وقفة تقدیر لهذا الإمام العظیم الذی لم یسمح أبداً بضیاع الاهداف الحقیقة واختلاطها .


لقد عمل جاهداً من أجل ترسیخ هدفیّة الإسلام ولیصبح الإسلام اصلاً فی حیاة الانسان وسلوکه تتفرع علیه کل الاهداف الاخریٰ .


 3) الحرّیة مقدمة فی طریق بناء الانسان


ولقد حاول الإمام فی مواضع اُخریٰ عدیدة أن یؤکد علی حقیقة أن السیاسة الإسلامیّة أنما تهدف الی بناء الانسان المتکامل ، ولیست الحریة الاّ خطوة علی هذا الطریق .


اننا اذا أردنا ان نقوم بمقارنة بین الحریة وفقاً للنظریة الغربیّة والحریة وفقاً للنظریة الإسلامیّة ـ حسبما صوّرته کلمات الإمام الراحل ـ فسنجد أن أهم النقاط فی الفرق تکمن فی کیفیة النظر الیٰ الحریة باعتبارها هَدَفاً أم وسیلة؟


الغرب لا یفکر بشیء فیما بعد الحریة ، المهم أن یعیش الانسان حراً ، والمهم هو بناء المجتمع الحر ، والدولة مسؤولة عن توفیر الحریات وتنظیمها ، وکل الحرکات السیاسیة یجب أن تتنافس فی توفیر القسط الاکبر من الحرّیة .


بینما یضع الإسلام هدفاً مقدساً للانسان فوق الحریة وهو بناء الانسان الصالح ، وتأتی الحریة باعتبارها خطوة فی هذا السبیل .


إسمعوه ماذا یقول :


«نحن نرید أن نکوّن مجتمعاً نورانیاً ، طبقة نورانیّة حتیٰ اذا دخلنا أحد الجامعات وجدنا عملها نورانیاً ، أخلاقها نورانیة ، کل شیء فیها نورانی والٰهی .»


«ان انتصارنا لم یکن لأجل أن نصل مثلاً الیٰ الحریة ، نصل الیٰ الاستقلال ، وتکون المنافع لنا ثم لا شیء ...


هذه مقدّمات ، کلها مقدّمات من أجل تحقیق الاُمّة الأنسان .. .»


«ذلک اشتباه أن قلنا أو نقول الآن حیث سقط النظام ـ الطاغوتی ـ یکفی ذلک ، تحقق الاستقلال یکفی ذلک ، تحققت الحریة یکفی ذلک . کلا ، المسألة لیست هی هذه ، نحن نفدی کل تلک الامور من أجل الانسان ، نحن نرید الانسان ، الکل فداء الانسان» 220


ولأجل مزید التأکید علی هذه الحقیقة وترسیخها فی أذهان الناس نجده ـ قدس سره ـ یعقد مقارنة بین النظام الإسلامی والنظم الاخریٰ فیقول :


«لعلکم لا تجدون فی أی نظام آخر أن تسعیٰ الحکومة وراء تهذیب النفس ، لا شُغل لهم بذلک ، هم یعملون فقط من أجل حفظ الاستقرار ، کل أحد فی بیته یعمل ما یشاء دون أن یتعرّض له أحد ، هو حرُّ أن یعمل ما یشاء دون أن تحل الفوضیٰ فی الشارع .


فقط هی الحکومات الالهیّة التی تهدف لبناء الانسان الصالح .» 330


 4) نقد الحریة المطلقة


یبدو ان الإمام کان یواجه خطراً فی شیوع نظریة الحریة المطلقة وامتدادها لأذهان الناس ، أو تسخیرها للتحلل من الدین والخروج عن القیم الإسلامیّة . ولأنها تمثّل خطراً جدیاً وجدنا الإمام لم یبرح یقدّم النقد اللاذع لها کلما واتته الفرصة .


لقد هاجم الإمام بشدة مبدأ «الحریة المطلقة» واکدّ ان النظام الإسلامی یؤمن بمبدأ «الحرّیة المقیّدة» .


وفی هذا الخصوص ـ مارس الإمام ـ خطوتین :


الخطوة الاولیٰ : التندید بمبدأ الحریة المطلقة واسقاطها فی أعین الناس .


الخطوة الثانیة : بیان الحدود الموضوعة فی الإسلام للحریة وهی عبارة عن ثلاث حدود :


1ـ الموازین الإسلامیّة ؛


2ـ مصلحة الامة وارادتها ؛


3ـ المقررات القانونیة .


تعالوا نستمع الیه فیما یقول :


«أنتم أحرار ، مارسوا الحریة فی صلاح الامة والبلد .


لیست الحریة من أجل أن یعمل کل احدٍ ما یشاء .. . ولا یلتزم بالمقررات القومیّة والحکومیّة والإسلامیّة .


لیس هذا هو معنیٰ الحریة ، الحریة فی حدود المقرّرات ، والمقرّرات یجب الإلتزام بها .» 219


«ذلک وهمٌ أنه مادامت الجمهوریة الإسلامیّة قد تحققّت فکل واحد حرٌّ فی کل ما یفعل .


هذا غیر صحیح ، الحریة فی حدود القانون .


نحن أحرار فی ذلک المقدار الذی أعطانا الله  فیه الحرّیة .


لسنا أحراراً فی الفساد ، لا أحد من الناس حرُّ ان یعمل خلاف العفاف ، لا أحد حرٌّ فی أن یؤذی أخوانه .. .


الحریة التی اعطاها الله  اکثر من الحریة التی اعطاها الآخرون .


اولئک اعطونا حریة غیر منطقیة ، والله  اعطانا حریة منطقیّة .


الحریة یجب أن تکون منطقیة ومطابقة للقانون .» 224


ویقول فی موضع آخر :


«الحریة لها حدود .»


«ویجب أن یکون فی حدودها إرادة الامة ، لا أن الانسان حرٌّ فی خلاف الامة .» 247


«الناس والمسلمون أحرار فی إطار المقررات الشرعیّة .» 304


وحین سأله المراسل الصحفی قائلاً :


«ما هی الحدود التی تضعوها فی مجال حریة التعبیر والاعتقاد؟»


أجاب الإمام :


«اذا لم یکن مضراً بحال الشَعب .» 210


 5) الدیمقراطیّة والتمدّن الغربی


لم یعمد الإمام الیٰ الطعن بالدیمقراطیّة والدخول فی مواجهتها .


فالدیمقراطیّة فیما تحمله من خصائص ایجابیّة عدیدة لا یرفضها الإسلام ، وهی من ناحیة ثانیة قد تحوّلت الیٰ شعار مقدّس فی هذا العصر فلا مبرر للدخول فی معرکة معها .


ومن هنا کانت المسألة بحاجة الی دقة بالغة فی التعامل معها وهو ما لمسناه من طریقة تعامل الإمام وتصریحاته .


لقد حاول الإمام أن یمیّز بین الدیمقراطیة کمنهج سیاسی یعتمد علیٰ حریة الانسان ، ویؤمن بکرامته ، ویثق بقدراته ، وبین النموذج الغربی للدیمقراطیّة الذی یضعها فی الصف المقابل للالتزامات الدینیّة والاخلاقیّة .


ومن ناحیة اخریٰ فقد عمد الإمام الیٰ عدم الاکثرات بعنوان (الدیمقراطیة) وعدم تسلیط الاضواء علیه ، وهو نفس ما عمله ـ بنسبة اخریٰ ـ فی مسألة «الحریة» .


فقد حشر الإمام کل کلامه للترکیز علیٰ الإسلام والدین والتربیة النفس ، وبناء الانسان الصالح ، وسعادة الدنیا والآخرة .


فی هذه الخصائص والابعاد تجاه الدیمقراطیّة والتمدن الغربی تعالوا نستمع الی الإمام فیما یقول :


«ربّما کانت الدیمقراطیة التی نریدها لا تشبه الدیمقراطیّة الموجودة فی الغرب ، لکن تلک الدیمقراطیّة التی نطمع لتحقیقها لا وجود لها فی الغرب ، ان دیمقراطیة الإسلام أکمل من دیمقراطیة الغرب .» 306


ویقول وهو یقیّم الدیمقراطیة الحاکمة فی بلاد الغرب :


«نحن نقول لا دیمقراطیة فی بلادکم ، انما هو الاستبداد بصور مختلفة ، رؤساء الجمهوریة مستبدون أیضاً بصور مختلفة ، وانما الاسماء کثیرة جداً ، الالفاظ کثیرة جداً الاّ انها بدون محتویٰ .» 309


ویقول وهو یعمل علیٰ القبول بالدیمقراطیة :


«الدولة الإسلامیّة هی دولة دیمقراطیة بالمعنیٰ الواقعی .» 206


ویقول وهو ینقد التمدّن الغربی :


«تمدّن هؤلاء أن تذهبا المرأة والرجل الیٰ شاطیٔالبحر وهم عراة .» 225


«هذه هی الحریة التی یریدها الغرب ، یفعلوا ما یشاؤوا ، أحرار فی ان یظلموا، أحرار فی اتباع الشهوات غیر المشروعة ، أحرار فی الاساءة لأی شخص ، أحرار فی الکتابة ضد أی شخص .. . یجب تهذیب التمدّن بأعلی مرتبة ، التهذیب بالامور المعنویة ، الانبیاء یقبلون جمیع مظاهر التمدّن ، لکنه التمدّن المهذّب ولیس التمدن المطلق والسائب .» 323


ومن المفید أن نقرأ للامام جوابه التفضیلی علیٰ سؤال المراسل الصحفی حین قال له :


«سماحة الإمام : لماذا وضعتم خطاً منذ الیوم علیٰ کلمة الدیمقراطیّة ، وقلتم «جمهوریة اسلامیّة» لا کلمة اکثر ولا کلمة أقل؟


فأجابه الإمام بوضوح وجرأة واسهاب قائلاً :


«نعم ، هذه فیها مسائل :


احدها : ان اضافة هذه الکلمة (الدیمقراطیّة) توجب توهماً فی الذهن وهو ان الإسلام خالٍ من الدیمقراطیّة لذا لزم أضافة هذه الکلمة ، وهذا الامر مدعاة لحزننا ، أن الشیء الذی یحوی کل الامور وبصورة أفضل وأهم نأتی ونقول نحن نرید اسلاماً ولکن فیه دیمقراطیة . .. هذا أولاً .


وثانیاً : ان کلمة الدیمقراطیة العزیزة عندکم جداً لیس لها مفهوم واضح ومحدّد ، ارسطو فسّرها بمعنیٰ ، والاتحاد السوفیتی فسّرها بمعنیٰ ، والرأسمالیة فسّرتها بمعنیٰ ، ونحن لا نستطیع فی قانوننا الاساسی أن نستخدم لفظاً مبهماً یفسّره کل واحد بما یشاء . لقد وضعنا کلمة «الإسلام ، وهو یبیّن الحد الوسط ما هو .» 326


 6) مسؤولیة الدولة


ان أحد البحوث المهمة والتی ستقف بنا علیٰ مائز کبیر بین الإسلام والدیمقراطیة هو البحث فی مسؤولیة الدولة إتجاه قضیة الحرّیة .


لقد رأت الدیمقراطیة أن الدولة مسؤولة عن أمرین :


الاول : منع الحریات ؛


الثانی : تنظیم الحریات والمنع من حالات التعدّی والاستبداد .


فیما یریٰ الإسلام ان الدولة مسؤولة عن أمر ثالث لا یقل أهمیة عن الأمرین الأوّلین وهو مسؤولیتها فی العمل علیٰ بناء الانسان الصالح ، وتوفیر المحیط المناسب لتنامی القیم الاخلاقیّة.


یقول الإمام الراحل فی هذا الشأن :


«الإسلام یعتبر القانون آلة ووسیلة لتحقیق العدالة فی المجتمع ، وسبیلاً الیٰ تهذیب الانسان خُلقیاً وعقائدیا وعملیاً .» (الحکومة الإسلامیّة ، ص 72 .)


ولقد تجلّی هذا المفهوم بشکل واضح فی القانون الاساسی للجمهوریة الإسلامیّة الذی سجّل فی اکثر من موضع أن الدولة الإسلامیّة مسؤولة عن


«خلق الظروف المساعدة لتربیة الانسان علیٰ اساس قیم الإسلام السامیة الشاملة» (القانون الأساسی ، اسلوب الحکم فی الإسلام .)


«وخلق المناخ المساعد لنضج الاخلاق الفاضلة علیٰ اساس الإیمان والتقویٰ ، ومکافحة کل مظاهر الفساد والجریمة .» (القانون الأساسی ، المادة الثالثة .)


 7) منهج التعامل الانحراف


ولقد کان الإمام واضحاً فی تحدید ما هو منهج التعامل مع خطوط الانحراف الاخلاقی أو السیاسی :


لقد أوضح أن النصح ، والمرونة ، والحوار لیس دائماً هو سبیل الحلّ ، لابد من استخدام الشدة أحیاناً ، واغلاق المنافذ علیٰ هذه الخطوط حیث لا مجال للحریة ولا نفع فی الحوار .


لقد سأله السائل قائلاً :


«یقولون هؤلاء الذین اُعدموا لم یکونوا مجرمین سیاسیاً ولا من أجهزة المخابرات السابقة ، انما اُعدموا لأنهم مارسوا عملیة لواط أو زنا .. .»


وهنا أجابة الإمام بدون أی غموض أو انهزام قائلاً :


«نعم ؛ یجب أن تذکر أصل المسألة وهی أنه ماذا یجب أن نعمل اذا فَسَد إصبع من أصابع البدن؟


هل نقول لهذا الاصبع کن مکانک وأفسِد البَدن کله؟


یجب قطع هذا الاصبع لأنه مفسدة ، وهکذا یجب أن تُقطع کل الامور التی تؤدی الی الفساد .. .»


«هؤلاء الذین یفسدون المجتمع ، هؤلاء الذین یضلّون المجتمع ، هؤلاء الذین یضلّون الشباب ، یضلّون البنات ، نحن لا نستطیع ان نتحمّلهم ، وننظرهم یعملوا ما یشاؤوا .. . اذا منعنا هذه المفاسد یصلح المجتمع ، ومنظورنا هو اصلاح المجتمع ، واصلاح المجتمع انما یکون بمثل هذه السیاسات .» 241


وقال وهو یتحدّث عن الاحزاب والجماعات المنحرفة :


«مع هؤلاء لا یمکن التعامل بمصالحة وصداقة ، یجب التعامل معهم بشدّة ، ویجب ان نتعامل معهم بشدة  .»


«وبالطبع فاننی ما أزال أرغب حدّ الامکان ان أتعامل مع أصحاب الاقلام ـ هؤلاء الذین یظنون أنهم متنوّرون ، هؤلاء الذین شکلوا جبهات ـ بمرونة ، لکن یجب أن یکفّوا عن أعمالهم .


إنه لیس خفیاً علیٰ أحد أن ما تریده الامة هو الإسلام والجمهوریة الإسلامیّة ، ولا یصحّ أن نحمّل الامة عدداً من الاشخاص الفاسدین الذین یقولون لا للإسلام مثلاً ، ویریدون الجمهوریّة ثم یقولوا نحن لا نتمتع بالحرّیة .» 276


والحقیقة ان هذه النقطة فی منهج التعامل مع خطوط الانحراف الاخلاقی والسیاسی هی أحد النقاط المهمة فی الفرق بین السیاسة الإسلامیّة وبین الدیمقراطیة .


 8) لا .. . للتآمر الثقافی والسیاسی


لقد قال الإمام «نعم للحریة ، لا للمؤامرة» 211


مؤکداً أن الحریة هی حق طبیعی لاصحاب الاقلام والافکار ، ولکن لیس من حقهم أن یتآمروا علی الإسلام والامة .


حینما تتحول الحریة الی حربة ضد الإسلام ، وضد مصالح الشعب فانه یجب منعها ، وهذا الموقف یأتی امتداداً لعشرات التصریحات التی أدلیٰ بها الإمام قائلاً «اننا نرید الحریة فی ظل الإسلام .» و «اننا نرید الحریة من أجل الإسلام .» 321


ولقد کان واضحاً لدیٰ الإمام وجود اتجاه فکری وسیاسی یدعو الیٰ الانفصال عن الإسلام ، ویستخدم الحریة شعاراً من أجل تحقیق أغراضه . اننا لا نستطیع الاّ أن نستعرض هنا عدة جُمَل من کلمات الإمام فی هذا المجال .


لقد قال :


«کلٌ یعبّر عمّا لدیه ، ولکننا نرفض المؤامرة ، ولا یمکن ان نقبل بخیانة الامة .» 211


وحین سأله المراسل الصحفی «کیف یجب أن تکون الصحافة بنظرکم؟»


قال :


«الصحافة التی لا تضر بالشَعب ، والصحافة التی لا تکون کتاباتها مضلّة تتمتع بحریة .» 211


قال :


«لقد قلنا فی طول عمر الثورة أن حریة المطبوعات هو رأینا ، لکننا نقف بشکل جدی وبدون تسامح امام الخیانة والمؤامرة .» 235


وفی موضع آخر أکدّ قائلاً :


«فی بلدنا هناک حریة المعرفة ، وهناک حریة القلم ، وهناک حریة التعبیر ، ولکن لا مجال للتآمر ولا مجال لحریة الفساد .. .» 236


ودعا بشکل قاطع وقوی الیٰ مواجهة التآمر الثقافی قائلاً :


«یجب أن نواجه هؤلاء بنفس الجهاد الذی واجهنا به محمد رضا (ای الشاه السابق) ، لان ههنا مؤامرة ، ولیست القضیة قضیة حریة .» 268


ثم حذّر جمیع الاقلام ، والکتّاب ، ودور النشر من استخدام الحریة بشکل سیی ء ، ومن التورط فی شراک المؤامرة .


لقد دعاهم جمیعاً لممارسة حریّاتهم فی التعبیر عن افکارهم ولکن بعیداً عن التأمر علی الإسلام .


إسمعوه ماذا یقول :


«اننی مرة اخریٰ أدعو کل دور الطباعة والنشر فی ایران ان یضعوا یداً بید ویکتبوا بحریة مطالبهم ، ولکن لا یتآمروا .


لقد قلت مراراً ان المطبوعات یجب ان تکون حرّة ومستقلة ولکنی مع الأسف وشدید التعجب رأیت عدداً منها ـ وبعیداً عن الأنصاف ـ تعمل علیٰ نشر أهدافها السیئة سواءاً من الیمین أو الیسار .» 289


«لقد وجهوا مقالاتهم ـ بدلاً عن البنادق ـ حقوب الإسلام ، ونحن الآن لا نواجه حراباً وانما نواجه أقلاماً ، نواجه أهل قَلَم .» 271


وبنفس الاتجاه تحدث الإمام عن حریة الاحزاب قائلاً :


«فی اطار الجمهوریة الإسلامیّة تستطیع کل الاحزاب أن تعبّر عن رأیها ، ولکنّا لا نتحمّل عملیة التخریب فی الامور السیاسیّة .»


وحین سأله المراسل الصحفی :


«هل تعتقدون ان الفئات الیساریّة والمارکسیّة فی ایران تمارس عملها بحرّیة؟»


أجابه قائلاً :


«اذا کانت مضرّة بحال الشعب فاننا سنقف بوجهها ، وان لم تکن کذلک ، وکانت تمارس اظهار العقیدة فقط فإنه لا مانع منها .»


ثم أردف وقال وهو یتحدّث عن حریة الاحزاب :


«کل الناس أحرار ، الاّ ذلک الحزب المخالف لمصلحة البلاد .»


والی هنا تکون رؤیة الإمام واضحة فی مسألة حریة الصحافة وحریة الاحزاب ، حیث جعلها الإمام مشروطة بعدم مخالفة قیم الإسلام وافکاره من ناحیة ، ومشروطه بعدم الاضرار بمصالح الامة من ناحیة ثانیة .


ولکن السؤال الذی یطرح نفسه هنا هو :


من الذی یشخّص هذا الموضوع بالذات ؟


من الذی یشخّص ما اذا کانت موازین الإسلام ، ومصالح الشَعب ملحوظة فی هذه المؤسسات أم لا؟


الدولة قادرة علی ان تشخص ذلک ، ولکن المرجع الاعلیٰ فی الرأی والقرار والحسم یبقیٰ هو الولی الفقیه أی الإمام الذی یشرف علیٰ حرکة الامة ، ویوجّه مسیرتها .


ولذا فقد وجدنا الإمام الخمینی ـ قدس سره ـ یُعطی لنفسه الحق فی منع بعض الاحزاب أو الصحافة اذا هی تجاوزت الحدود القانونیة والشرعیّة الموضوعة لها دون أن یُحیل ذلک الیٰ الدولة .


لقد سمعناه یقول :


«لعلی الیوم أو غداً اُعلن عن تحریم عدد من هذه الاحزاب ، ولا نسمح بنشر ای شیء من کتاباتهم وفی أی مکان .» 275


هذا الموضوع وهو ممارسة الولی الفقیه لدوره فی الرقابة علیٰ الفکر والعمل السیاسی للامة بمختلف فصائلها واحزابها هو الذی یدفعنا للدخول فی الفقرة التاسعة من فقرات هذ البحث وهی :


 9) ولایة الفقیه ورقابة الحرّیات


اذا کان من حق الولی الفقیه ان یحدّد الحریات فما هو الفرق إذن بین هذا النظام وبین الدیکتاتوریة؟


ونحن فی الاجابة علی هذا السؤال لا نرید ان ندخل للبحث فی عمق النظریة الإسلامیّة فی الحکم والفرق بینها وبین الاستبداد والدیکتاتوریّة ، وانما نرید أن نسمع الاجابة علی هذا السؤال من کلام الإمام الخمینی نفسه ، الذی طرح بدوره هذا السؤال ثم أجاب علیه قائلاً :


«ما هی الدیکتاتوریة؟


حکومة الإسلام هی حکومة القانون .


ولو ان الرجل الاول فی البلاد فی ظل الحکومة الاسلامیة قام بخلافٍ واحد فان الإسلام سیعزله .. . انه لا لیاقة له فی الحکم ، هل هذه هی الدیکتاتوریة!؟


حکومة القانون ، قانون الله  .


یعنی لو أن احداً اشتکیٰ من الرجل الاول فی البلاد وهو الحاکم فإنّه یُدعیٰ للحضور أمام القضاء وسوف یحضر .


کیف فعل ذلک الإمام علی(ع)؟


نحن نرید مثل هذه الحکومة ، حکومة القانون .» 313


وفی موضع آخر من مواضع حدیثه عن هذه المسألة قال :


«یطرحون مثلاً أن لا تکون ولایة للفقیه وانها دیکتاتوریة . والحال أن الإسلام لا دیکتاتوریة فیه ، ولو أن فقیهاً واحداً وفی مورد واحد مارس الدیکتاتوریة فإنّه سیسقط من الولایة .


الإسلام لا یعطی الولایة لأی فقیه .


ذلک الفقیه الذی لدیه علم ، ولدیه عمل ، وسلوکه سلوک الإسلام ، وسیاسته سیاسة الإسلام .


هذا الفقیه ـ لأنه الرجل الذی قضیٰ عمره فی الإسلام ، وفی مسائل الإسلام وکان مستقیماً و صالحاً ـ یعطیه الإسلام حق الرقابة لکی لا یسمح بأن یفعل کل أحد ما یشاء .» 329


 ملاحظات فی الختام


أولاً : ربما استطعنا أن نُجمل ونشیر الیٰ أهم رویٰ الإمام الخمینی فی مسألة الحرّیة ، ولکننا نعتقد فی ذات الوقت أن اموراً اخریٰ قد لا تقل عنها أهمیة کانت جریرة بالعرض والاشارة مثل حریة المرأة فی التحرک السیاسی ، وموضوع التعددیة الحزبیّة ، وغیرها لکنی آسف حیث لم اُوفق لعرض هذه المباحث .


ثانیاً : لقد کان البحث یتّسع لتناول الموضوعات المطروحة فیه ومناقشة المدارس الاخریٰ حولها ، کما کان یتّسع للدخول فی تفاصیل النظریة الإسلامیّة حول کل موضوع ، لکنی آثرت فی البحث الاقتصار علیٰ کلام الإمام وحدود المستویٰ الذی تناول فیه تلک الموضوعات .


ثالثاً : ویجب أن أعرب ختاماً عن أسفی لعدم توفّر المصادر الکافیة لدیّ فی الفترة التی توفّرت فیها لکتابة هذا المقال ، فلقد کان کل اعتمادی علیٰ الدفتر السابع عشر والعشرین من سلسلة «بحثاً عن الطریق فی کلام الإمام» .


رابعاً : فإن عظمة الامام لم تکن فی التنظیر لهذه المباحث وإنما فی ممارستها علی أرض الواقع حیث استطاع الإمام بکل إقدام ، وبطولة ، وصبر ، وحنکة أن یجسّد الاطروحة الإسلامیّة فی الحکم وحلّ أهم المعضلات السیاسیّة وبخاصة قضیة الحریة التی لم تزل مشکلة المشاکل فی العالم المعاصر .


 


کنگره امام خمینی و اندیشه حکومت اسلامی / فلسفه سیاسی(2)، ج 3، ص 427.




پی نوشت ها:




[1] )) هذا الرقم وما بعده من الارقام هو رقم الصفحه من کتاب «در جستجوی راه از کلام امام» موضوع الحریة و الاقلیات المذهبیة.



. انتهای پیام /*