خاتمة
الأمر الأوّل: وحدة القضیة المتیقنة والمشکوک فیها
نسخه چاپی | ارسال به دوستان
برو به صفحه: برو

پدیدآورنده : خمینی، روح الله، رهبر انقلاب و بنیانگذار جمهوری اسلامی ایران، 1279-1368

محل نشر : تهران

زمان (شمسی) : 1385

زبان اثر : عربی

الأمر الأوّل: وحدة القضیة المتیقنة والمشکوک فیها

الأمر الأوّل وحدة القضیّة المتیقّنة والمشکوک فیها

‏ ‏

‏وتوضیحه أ نَّه لا إشکال فی أنَّ الیقین والشکّ وکذا الظنّ لا تتعلّق بالاُمور‏‎ ‎‏التصوّریة، بل لا یُمکن أن تتعلّق بها، فلا معنیٰ لتعلّق الیقین بزید والقیام والنسبة‏‎ ‎‏بمعانیها التصوّریة، بل المُتعلّق لها لیس إلاّ مفاد القضایا، فمعنی الیقین بالطهارة لیس‏‎ ‎‏إلاّ الیقین بأنَّ الطهارة موجودة علیٰ نعت الکون المحمولیّ، أو أ نّی متطهّر علی نعت‏‎ ‎‏الکون الرابط، کما أنَّ معنی الیقین بوجود زید أو بزید الیقین بأنَّ زیداً موجود.‏


وبالجملة:‏ لا یتعلّق الیقین والشکّ إلاّ بمفاد القضایا والاُمور التصدیقیّة.‏

فحینئذٍ: ‏لا بدّ فی الاستصحاب من قضیّة مُتعلّقة للیقین والشکّ، ولا بدّ وأن یتعلّق‏‎ ‎‏الشکّ بعین ما تعلّق به الیقین، فلا بدّ من وحدة القضیّة المتیقّنة والمشکوک فیها موضوعاً‏‎ ‎‏ومحمولاً، فإذا تعلّق الیقین بوجود زید تکون القضیّة المُتیقّنة «زید موجود» فإذا شکّ فی‏‎ ‎‏أنَّ زیداً موجود فی الزمان اللاّحق تستصحب نفس القضیّة المُتیقّنة؛ لوحدة الموضوع‏‎ ‎‏والمحمول، وإذا تعلّق الیقین بقیامه یمکن أن یکون الموضوع للأثر هو کون زید قائماً،‏‎ ‎‏فتکون القضیّة المُتیقّنة «کونه قائماً» بنحو الهلیّة المُرکّبة، فإذا شکّ فیها تستصحب؛‏‎ ‎‏لوحدة الموضوع والمحمول، ویمکن أن یکون الموضوع للأثر کون قیامه موجوداً علیٰ‏‎ ‎‏نعت الکون المحمولیّ، فتکون القضیّة المُتیقّنة «انَّ قیامه کان موجوداً» فإذا شکّ فیها‏‎ ‎‏تستصحب.‏

‏ ‏

الإشکال علی الشیخ الأعظمفی مسألة بقاء الموضوع

‏ ‏

فتلخّص ممّا ذکرنا:‏ أنَّ المُستصحب هو نفس القضیّة لا موضوعها أو محمولها،‏‎ ‎‏واتضح النظر فی ظاهر کلام الشیخ الأعظم ‏‏قدّس سُّره‏‏:‏

أمّا أوّلاً:‏ فلأنَّ ما أفاده من أنَّ المُستصحب هو عارض الموضوع والموضوع‏‎ ‎‏معروضه، ولا بدّ من إحراز بقائه‏‎[2]‎‏، فیه مسامحة ظاهرة؛ لأنَّ المُستصحب هو مُتعلّق‏‎ ‎‏الیقین، ولیس ذلک إلاّ مفاد القضیّة، لا محمولها الذی هو عارض، فإذا تعلّق الیقین‏‎ ‎‏بـ «أنَّ زیداً قائم» لیس المُستصحب قیام زید؛ لأنَّ قیام زید فی تلک القضیّة لیس‏‎ ‎

‏ ‏


‏مُتعلّق الیقین، فإنَّ قیام زید الذی هو عارض له أمر تصوّری غیر مُتعلّق للیقین، فما هو‏‎ ‎‏المُتعلّق للیقین هو قضیّة «أنَّ زیداً قائم» علیٰ نحو الکون الرابط والهلیّة المُرکّبة، ففی مثل‏‎ ‎‏صحّة الائتمام وشهادة الطلاق یکون موضوع الأثر کون الإمام أو الشاهد عادلاً علیٰ‏‎ ‎‏نحو الوجود الرابط والهلیّة المُرکّبة لا عدالتهما، فقوله: (لا تنقض الیقین بالشکّ) معناه‏‎ ‎‏لا تنقض الیقین المُتعلّق بقضیّة بالشکّ فیها، فالمُستصحب نفس القضیّة لا المحمول‏‎ ‎‏العارض للموضوع.‏

وأمّا ثانیاً:‏ فلأنَّ إحراز بقاء الموضوع فی الاستصحاب لیس لازماً، بل لیس ممُکناً‏‎ ‎‏فی بعض القضایا؛ فإنَّ معنی إحراز بقاء الشیء أنَّ العلم تعلّق بأنَّ هذا الشیء باق؛ لما‏‎ ‎‏ذکرنا من أنَّ العلم إنّما یتعلّق بمفاد القضیّة لا بالمعانی التصوّریة، ففی مثل قولنا: «زید‏‎ ‎‏موجود» أو «وجود زید محقّق سابقاً» إذا اُرید استصحابه فی زمان الشکّ فی وجوده‏‎ ‎‏لا یمکن إحراز بقاء موضوعه فی زمان الشکّ؛ لأنَّ معناه أنَّ زیداً باقٍ فی حال الشکّ‏‎ ‎‏یقیناً وهو کما تریٰ.‏

ولا یمکن أن یقال:‏ إنَّ المُحرز هو بقاؤه فی التقرّر الذهنیّ‏‎[3]‎‏؛ لأنَّ الموضوع لیس‏‎ ‎‏زیداً المُقرّر فی الذهن؛ لأ نَّه لا یمکن أن یوجد فی الخارج، فالموضوع فی مثل تلک‏‎ ‎‏القضایا هو نفس زید عاریاً عن لحاظ شیء معه، وغیر مُتقیّد بالتقرّر الخارجیّ أو الذهنیّ،‏‎ ‎‏وهو لا یتّصف بالبقاء والمُحرزیّة إلاّ بتبع الوجود الذهنیّ أو الخارجیّ.‏

فالإنصاف:‏ أنَّ ما أفاده رحمه الله فی المُستصحب والموضوع وبقائه تبعید‏‎ ‎‏للمسافة، وإخلال بما هو شرط فی الاستصحاب؛ إذ لیس شرطه ـ علی ما ذکرنا من حقیقة‏‎ ‎‏المُستصحب ـ إحراز بقاء الموضوع، ولا نحتاج إلیه فیه، بل الشرط وحدة القضیّة المُتیقّنة‏‎ ‎‏والمشکوک فیها، فلا فرق فیه بین بسائط القضایا ومُرکّباتها، فلا ملزم لاشتراطه بشرط‏‎ ‎

‏ ‏


‏غیر لازم، بل مخلّ حتّیٰ نقع فی حیص بیص فی مثل القضایا البسیطة.‏

وممّا ذکرنا:‏ یتّضح الدلیل علی الشرط المُتقدّم؛ أی وحدة القضیّة المتیقنّة ‏‎ ‎‏والمشکوک فیها؛ لأنَّ صدق نقض الیقین بالشکّ یتوقّف علیها.‏

‏ ‏

تمسّک الشیخ الأعظم بالدلیل العقلیّ لمدّعاه وما فیه

‏ ‏

وأمّا ما أفاده الشیخ:‏ من الاستدلال علیٰ ما ادّعاه بالدلیل العقلیّ، وهو أ نَّه مع‏‎ ‎‏عدم العلم بتحقّق الموضوع لاحقاً إذا اُرید إبقاء المُستصحب العارض له المُتقوّم به، فإمّا‏‎ ‎‏أن یبقیٰ من غیر محلّ وموضوع، وهو محال، وإمّا أن ینتقل إلیٰ موضوع آخر وهو أیضاً‏‎ ‎‏محال؛ لاستحالة انتقال العرض، وإمّا أن یحدث مثله فی موضوع آخر، وهذا لیس إبقاءً،‏‎ ‎‏فیخرج عن الاستصحاب‏‎[4]‎.

ففیه ما عرفت:‏ من أنَّ المُستصحب لیس العرض القائم بالموضوع، بل هو القضیّة‏‎ ‎‏المُتیقّنة، فإذا کان الأثر مُترتّباً علی القضیّة التی مفادها الهلیّة المُرکّبة مثل «کون زید‏‎ ‎‏عادلاً» لیس المتیقّن المُترتّب علیه الأثر عدالة زید بنحو الهلیّة البسیطة والوجود‏‎ ‎‏المحمولیّ، وإن کانت عدالة زید بنحو الهلیّة البسیطة أیضاً مُتیقّنة ومشکوکاً فیها، لکنّ‏‎ ‎‏استصحابها لا یثبت کون زید عادلاً بنحو کان الناقصة إلاّ بالأصل المُثبت، فإذا کان‏‎ ‎‏الأثر مُترتّباً علیٰ عدالة زید بنحو الکون الرابط تکون القضیّة المُستصحبة المُترتّب علیها‏‎ ‎‏الأثر «أنَّ زیداً عادل» لا «عدالة زید موجودة» واستصحاب القضیّة الثانیة لإثبات «أنَّ‏‎ ‎‏زیداً عادل» من الأصل المُثبت.‏

‏          فلو فرض جواز قیام العرض بذاته، وجواز انتقال العرض، وقامت العدالة فی‏‎ ‎

‏ ‏


‏زمان الشکّ بذاتها، أو انتقلت إلیٰ موضوع آخر لا یوجب ذلک جواز ترتیب أثر عدالة‏‎ ‎‏زید؛ أی« أنَّ زیداً عادل» بنحو الکون الرابط؛ ضرورة أنَّ الأثر المُترتّب علیٰ کون زید‏‎ ‎‏عادلاً لا یترتّب علی العدالة القائمة بالذات، أو القائمة بوجود عمرو.‏

نعم:‏ لو فرض جواز قیام العرض بلا موضوع، وجواز انتقال العرض، وکانت‏‎ ‎‏نفس العدالة بوجودها المحمولیّ موضوعاً للأثر یکون منشأ الشکّ فی بقائها ـ زائداً علی‏‎ ‎‏الشکّ فی زوالها بالشکّ فی سلب الموضوع أو المحمول ـ الشکّ فی انتقالها أو بقایها بذاتها‏‎ ‎‏مع القطع بعدم موضوعها، وهذا أمر آخر.‏

وبالجملة:‏ ما استدلّ به الشیخ من الدلیل العقلیّ ـ مضافاً إلی عدم وقعه فی المقام‏‎ ‎‏الذی کان نظر العرف مُتّبعاً، ومحطّ التعبّد الشرعیّ الذی یرجع إلی لزوم ترتیب الأثر ـ‏‎ ‎‏غیر تامّ فی نفسه.‏

‏          والظاهر أنَّ منشأ هذا الخلط إنّما هو الخلط فی المُستصحب، والذهاب إلی أنَّ‏‎ ‎‏المُستصحب نفس العرض القائم بالموضوع، وموضوعه هو معروضه، مع أنَّ‏‎ ‎‏المُستصحب علیٰ ما عرفت هو نفس القضیّة من غیر فرق بین الهلیّات البسیطة والمُرکّبة.‏

وبالتدبّر فیما ذکرنا:‏ یتّضح المقام مُنقّحاً، وینحلّ الإشکال من أساسه فی الهلیّات‏‎ ‎‏البسیطة، ویتّضح لزوم وحدة القضیة المُتیقّنة والمشکوک فیها من غیر احتیاج إلیٰ‏‎ ‎‏التشبّث بالدلیل العقلیّ، حتّی یرد علیه ما أورده المُحقّق الخراسانیّ رحمه الله : من أنَّ‏‎ ‎‏الاستصحاب عبارة عن وجوب ترتیب آثار العرض لا وجود العرض بلا موضوع،‏‎ ‎‏والمحال هو الثانی لا الأوّل‏‎[5]‎.

‏وهذا الجواب وإن کان منظوراً فیه؛ لأجل ابتنائه علیٰ أنَّ المُستصحب هو العرض، ‏‎ ‎‏لکنّه متینٌ فی ذاته، فلو فرض أنَّ الأثر کان لنفس العدالة أو البیاض بوجودهما‏‎ ‎

‏ ‏


‏المحمولیّ، وکان وجودهما مُتیقّناً لأجل تحقّقهما فی موضوعهما، وشکّ فی الزمان‏‎ ‎‏اللاّحق فی بقائهما لأجل الشکّ فی بقاء موضوعهما یجری الاستصحاب، ویترتّب علیهما‏‎ ‎‏آثار بقائهما فی زمان الشکّ، وموضوع العدالة والبیاض تکویناً غیر موضوع القضیّة‏‎ ‎‏المُستصحبة، فإنَّ موضوع الثانیة نفس العدالة والبیاض، کما هو ظاهر بعد التدبّر فیما‏‎ ‎‏أسلفناه، بل للشارع أن یحکم بوجود العرض، وعدم المعروض فی عام التشریع والتعبّد؛‏‎ ‎‏لأنَّ معناه إیجاب ترتیب آثار وجود هذا وعدم ذاک وهو بلا محذور.‏

‏ ‏

توجیه شیخنا العلاّمة کلام الشیخ وما یرد علیه

‏ ‏

هذا:‏ ولکن تصدّیٰ شیخنا العلاّمة أعلی الله مقامه لدفع الإشکال عن الشیخ‏‎ ‎‏الأعظم فقال ما محصّله: أنَّ القضایا الصادرة من المُتکلّم إنشاءً کانت أو إخباراً‏‎ ‎‏مُشتملة علیٰ نسب ربطیّة مُتقوّمة بالموضوعات الخاصّة فقولنا: «أکرم زیداً» مُشتمل علیٰ‏‎ ‎‏إرادة إیقاعیّة مُرتبطة بإکرام زید، وکذا «زید قائم» مُشتمل علیٰ نسبة تصدیقیّة قائمة‏‎ ‎‏بالموضوع والمحمول الخاصّ، وحال هذه النسب فی الذهن حال الأعراض الخارجیّة فی‏‎ ‎‏الاحتیاج إلی المحلّ، وامتناع الانتقال.‏

‏          فلو فرض أنَّ المُتیقّن هو وجوب الصلاة، فالجاعل للحکم فی الزمان الثانی إمّا أن‏‎ ‎‏یجعل الوجوب للصلاة، وهو المطلوب من لزوم اتحاد الموضوع، وإمّا أن ینشیء هذه‏‎ ‎‏الإرادة الربطیّة من غیر موضوع وهو محال، وإمّا أن یُنشئها لغیر الصلاة وهو محال؛‏‎ ‎‏لامتناع انتقالها، وإمّا أن ینشئ إرادة جدیدة، وهذا ممکن لکن لیس إبقاء لما سبق.‏

‏          وکذا الحال فی الشبهة الموضوعیّة، فإنَّ المُتیقّن إذا کان خمریّة مائع فإمّا أن ینشئ‏‎ ‎‏النسبة التصدیقیّة بلا محلّ، أو فی محلّ غیر المائع وهما محالان، أو ینشئ إرادة جدیدة‏

‏فلیس بإبقاء، أو ینشئ فی نفس المائع وهو المطلوب‏‎[6]‎‏ انتهی.‏

وفیه:‏ ـ مضافاً إلیٰ کونه مخالفاً لظاهر کلام الشیخ أو صریحه ـ أنَّ الاستصحاب‏‎ ‎‏عبارة عن حکم ظاهریّ مجعول بقوله (لا تنقض الیقین بالشکّ) لترتیب آثار المُتیقّن فی‏‎ ‎‏زمان الشکّ، فقد یوافق الواقع فیکون منجّزاً له، وقد یتخلّف عنه، فإذا وافقه فلا تکون فی‏‎ ‎‏البین إلاّ إرادة حتمیّة مُتعلّقة بالصلاة ولیس فی زمان الشکّ إرادة اُخریٰ مُتعلّقة‏‎ ‎‏بالصلاة.‏

نعم:‏ تکون هاهنا إرادة اُخریٰ مُتعلّقة بعنوان عدم نقض الیقین بالشکّ، وإذا‏‎ ‎‏تخلّف الاستصحاب عن الواقع فلیست إرادة مُتعلّقة بالصلاة بحسب الواقع، فلا مجال‏‎ ‎‏لهذه التشقیقات.‏

وإن شئت قلت:‏ إنَّ الصلاة التی علم وجوبها سابقاً، وشکّ فی بقائه إن کانت واجبة‏‎ ‎‏بحسب الواقع فی زمان الشکّ فلا یمکن أن تتعلّق بها إرادة اُخریٰ غیر الإرادة‏‎ ‎‏المُتعلّقة بها، وإن لم تکن واجبة فإما أن تنتقل الإرادة المُتعلّقة بها فی زمان الیقین إلی‏‎ ‎‏زمان الشکّ فهو محال، وإمّا أن یحدث فیها إرادة اُخریٰ فهو لیس بإبقاء، وإمّا أن تبقیٰ‏‎ ‎‏الإرادة بلا موضوع فهو مع کونه محالاً لیس بابقاء أیضاً.‏

فتحصّل ممّا ذکرنا:‏ أنَّ الإرادة الواقعیّة المُتعلّقة بالموضوعات الواقعیّة لا تتخلّف‏‎ ‎‏عنها، والاستصحاب لا یوجب بقاء تلک الإرادات،؛ فإنَّها إن کانت باقیة لا یوجب‏‎ ‎‏الاستصحاب إلاّ تنجیزها فی زمان الشکّ، کما کانت منجّزة فی زمان الیقین لأجل تعلّق‏‎ ‎‏الیقین بها، وإلاّ فلا یمکن بقاؤها.‏

وبعبارة اُخریٰ:‏ أنَّ الجاعل فی الزمان الثانی لا یجعل الوجوب للصلاة، فإنَّ‏‎ ‎‏الصلاة إمّا واجبة فی زمان الشکّ بحسب الواقع، فلا معنی لجعله ثانیاً، فیکون‏‎ ‎

‏ ‏


‏الاستصحاب کسائر المُنجّزات مُنجّزاً له؛ بمعنیٰ أنَّ المُکلّف إذا ترکها مع الاستصحاب‏‎ ‎‏تصحّ عقوبته علیٰ ترک الوجوب الواقعیّ، وإن لم تکن واجبة فلا تصیر واجبة‏‎ ‎‏بالاستصحاب، ولو فرض صیروتها واجبة بالاستصحاب لیس الوجوب الاستصحابیّ‏‎ ‎‏إبقاء للوجوب المُتعلّق بها فی الزمن السابق بالضرورة.‏

‏ ‏

إنَّ الاستصحاب لا یجدیفی إحراز موضوع القضیّة المُستصحبة

‏ ‏

‏ثمَّ إ نَّه بعدما علم لزوم اتحاد القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها موضوعاً ومحمولاً‏‎ ‎‏فلا بدّ من إحرازه وجداناً، کما فی الهلیّات البسیطة، فإذا کان زید مسبوقاً بالوجود‏‎ ‎‏أو العدم فشکّ فیه یستصحب وجوده أو عدمه لإحراز الاتحاد وجداناً، وکالهلیّات‏‎ ‎‏المُرکّبة التی کانت موضوعاتها عرفاً نفس الماهیة ویکون الوجود أو الحیاة مثلاً فیها من‏‎ ‎‏الوسائط التعلیلیّة لعروض العوارض علیها مثل «زید متنفّس» أو «متحرّک».‏

‏          أو من قبیل القضایا الحینیّة، کقولنا: «زید عادل» أو «عالم» حیث تکون العادلیّة‏‎ ‎‏والعالمیّة من أوصاف زید عرفاً، ویکون الموضوع للقضیّة نفس زید فی حال الحیاة‏‎ ‎‏والوجود، فإذا علمنا أنَّ زیداً کان عالماً أو عادلاً أو قائماً، وشککنا فی بقائها یجری‏‎ ‎‏الاستصحاب؛ لوحدة القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها.‏

‏          وتوهّم أنَّ الموضوع «زید الموجود» أو «زید الحیّ»، فلا یکون محرزاً‏‎[7]‎‏، مردود‏‎ ‎‏بأنَّ الموضوع لدی العرف فی مثل تلک القضایا لا یکون إلاّ ما هیّة زید والحیاة والوجود‏‎ ‎‏من الجهات التعلیلیّة، أو اُخذا علیٰ نحو القضیّة الحینیّة لدی العرف.‏

‏ ‏

‏ ‏


نعم:‏ لو فرض فی الهلیّات المُرکّبة أخذ بعض الأوصاف فی موضوعها قیداً، وتکون‏‎ ‎‏القضیّة وصفیّة مأخوذة فیها الأوصاف علیٰ نحو العنوانیّة والقیدیّة کأن یقال: «إذا کان‏‎ ‎‏زید الحیّ بما أ نَّه حیّ عادلاً یجب إکرامه» أو «إذا کان زید العادل بما أ نَّه عادل أعلم‏‎ ‎‏یجوز أو یجب تقلیده».‏

فحینئذٍ:‏ تارة تکون تلک الأوصاف المأخوذة فی الموضوع محرزة بالوجدان‏‎ ‎‏فلا إشکال فی جریان الاستصحاب، فإذا اُحرزت حیاة زید وجداناً، وشکّ فی کونه عادلاً‏‎ ‎‏ـ مع الیقین بعدالته السابقة ـ لا إشکال فی جریانه، بأن یقال: «کان زید الحیّ‏‎ ‎‏عادلاً، وشککت فی بقاء عدالته» لاتحّاد القضیّتین.‏

‏          وتارة تکون تلک الأوصاف مشکوکاً فیها، کما لو شککنا فی المثال فی حیاة زید‏‎ ‎‏وعدالته، ففی هذه الصورة هل یمکن إحراز موضوع القضیّة الوصفیّة بالاستصحاب‏‎ ‎‏أو لا؟ فموضوع البحث ومحلّ النقض والإبرام ما إذا کانت قضیّتان متیقّنتان یکون‏‎ ‎‏محمول إحداهما موضوعاً للاُخریٰ، فتستصحب القضیّة الاُولیٰ لإحراز موضوع القضیّة‏‎ ‎‏الاُخریٰ لتستصحب القضیّة الثانیة.‏

وبعبارة اُخریٰ:‏ محلّ الکلام فیما کانت وحدة القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها غیر‏‎ ‎‏محرزة، وأردنا إحرازها باستصحاب قضیّة اُخریٰ یکون محمولها موضوعاً لتلک القضیّة،‏‎ ‎‏کما إذا ورد «أنَّ زیداً العالم بما أ نَّه عالم إذا کان عادلاً یجب إکرامه» فشککنا فی علمه‏‎ ‎‏وفی عدالته، فأردنا إحراز علمه بالاستصحاب لإحراز موضوع القضیّة الثانیة أی کونه‏‎ ‎‏عادلاً.‏

فنقول:‏ تارة یکون الشکّ فی القضیّة الثانیة مُسبّباً عن الشکّ فی الاُولی، وتارة‏‎ ‎‏لا یکون کذلک، وعلی الأوّل تارة یکون التسبّب شرعیّاً، وتارة یکون عقلیّاً، ففی جمیع‏‎ ‎‏الفروض لا یمکن إحراز موضوع القضیّة المُستصحبة بإجراء استصحاب القضیّة الاُولیٰ‏‎ ‎‏إذا فرض أنَّ الوصف اُخذ فی موضوع القضیّة الثانیة مفروض الوجود، کما هو محلّ‏

‏الکلام؛ لأنَّ الاستصحاب لا یحرز الموضوع وجداناً، ولا تکون وحدة القضیّتین من‏‎ ‎‏الآثار الشرعیّة حتّیٰ تترتّب علیه، فاستصحاب کون زید حیّاً لا تترتّب علیه إلاّ الآثار‏‎ ‎‏الشرعیّة المُترتّبة علیٰ کونه حیّاً، کنفقة زوجته، وأمّا صیرورة الشکّ فی عدالة زید شکّاً‏‎ ‎‏فی أنَّ زیداً الحیّ عادل حتّی تتّحد القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها، فلیست أثراً شرعیّاً.‏

‏          وکذا لو شککنا فی تغیّر الماء، فلا یحرز استصحاب بقاء التغیّر موضوع‏‎ ‎‏استصحاب نجاسة المُتغیّر بما أ نَّه مُتغیّر، ولو فرض أنَّ المُتغیّر بما أ نَّه مُتغیّر موضوع‏‎ ‎‏للنجاسة، ویکون التسبّب شرعیّاً لأنَّ إحراز وحدة القضیّتین لیس من الآثار الشرعیة.‏

نعم:‏ باستصحاب التغیّر یترتّب علی الماء أثره الشرعیّ أی النجاسة وهو غیر‏‎ ‎‏استصحاب نجاسة المُتغیّر الذی کلامنا فیه.‏

فتحصّل ممّا ذکر:‏ أنَّ إحراز وحدة القضیّتین ممّا لا یمکن بالاستصحاب مُطلقاً‏‎ ‎‏ولو فی الآثار الشرعیّة والتسبّبات التعبّدیة.‏

‏ ‏

الخلط الواقع فی کلام بعض الأعظام

‏ ‏

‏وإذ قد عرفت محلّ الکلام فی المقام یتَّضح لک الخلط الواقع فی کلام بعض‏‎ ‎‏أعاظم العصر رحمه الله ؛ حیث تفصّیٰ عن الإشکال بأنَّ الموضوع لجواز التقلید مُرکّب‏‎ ‎‏من الحیاة والعدالة، وهما عرضان لمحلّ واحد، فیجوز إحرازهما بالاستصحابین کما‏‎ ‎‏یجوز إحراز أحد جزئی الموضوع المُرکّب بالاستصحاب، والآخر بالوجدان، فإذا کان‏‎ ‎‏زید العالم الحیّ موضوعاً لجواز التقلید، وشککنا فی الوصفین فنستصحب کلا الوصفین‏‎ ‎‏للموضوع الذی هو زید، ونرتّب الأثر علی الموضوع المُحرز کلا جزءیه بالأصل‏‎[8]‎‏انتهیٰ.‏‎ ‎

‏ ‏


‏وهذا کما تریٰ خروج عن محلّ البحث؛ لأنَّ الکلام لیس فی أنَّ الأوصاف المُتعدّدة‏‎ ‎‏لموضوع واحدٍ إذا کانت موضوعة لحکم شرعیّ هل یمکن إثباتها بالأصل أم لا؟ بل‏‎ ‎‏الکلام فی أ نَّه هل یمکن إثبات موضوع القضیّة المُستصحبة ووحدة القضیّة المُتیقّنة‏‎ ‎‏والمشکوک فیها بالأصل أم لا؟ لأنَّ الشیخ الأعظم وبعد ما قال: إنَّ المُعتبر فی‏‎ ‎‏الاستصحاب هو العلم ببقاء الموضوع ولا یکفی احتمال البقاء‏‎[9]‎‏ أشکل علیه إحرازه‏‎ ‎‏بالاستصحاب إذا کان محتمل البقاء، ففصّل فی الجواب بما فصّل‏‎[10]‎‏، فموضوع البحث‏‎ ‎‏ما إذا کان عنوانٌ موضوعاً للقضیّة المُستصحبة، وشکّ فیه، واُرید إثباته بالاستصحاب،‏‎ ‎‏فما أفاده المُحقّق المعاصر خارج عن موضوع البحث، کما أنَّ کلام الشیخ أیضاً لا یخلو‏‎ ‎‏من خلط فراجع وتدبّر.‏

‏ ‏

هل یؤخذ الموضوع من العرف أولا؟

‏ ‏

‏ثمّ بعد ما علم لزوم وحدة القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها، فهل الموضوع فیها‏‎ ‎‏یؤخذ من العقل، أو من الدلیل، أو من العرف؟‏

وبعبارة اُخریٰ:‏ أنَّ المیزان فی وحدة القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها أن یکون‏‎ ‎‏موضوعهما واحداً بحکم العقل وتشخیصه، أو بحکم العرف وتشخصیه، أو أنَّ الموضوع‏‎ ‎‏فی القضیّة المشکوک فیها لا بدّ وأن یکون هو الذی اُخذ فی الدلیل الدالّ علی الحکم فی‏‎ ‎‏القضیّة المتیقّنة؟‏

‏          والفرق بین الأخذ من العقل وغیره واضح؛ لأنَّ العقل قلّما یتّفق أو لا یتّفق أن‏‎ ‎

‏ ‏


‏لا یشکّ فی بقاء الموضوع فی استصحاب الأحکام، حتّی فی باب النسخ؛ لأنَّ الشکّ فی‏‎ ‎‏الحکم لا یکون إلاّ من جهة الشکّ فی تغییر خصوصیّة من خصوصیّات الموضوع.‏

‏          وجمیع الجهات التعلیلیّة ترجع إلی الجهات التقییدیّة لدی العقل، وتکون دخیلة‏‎ ‎‏فی موضوعیّة الموضوع، فإذا ورد حکم علی موضوع لا یکون تعلّقه علیه جُزافاً بحکم‏‎ ‎‏العقل، فلا بدّ من خصوصیّة فی الموضوع لأجلها یکون مُتعلّقاً للحکم، ومع بقاء تلک‏‎ ‎‏الخصوصیّة الموجبة أو الدخیلة فی المُتعلّق مع سائر الخصوصیّات لا یمکن رفع الحکم‏‎ ‎‏عن الموضوع، فإذا علم تعلّق حکم علیٰ موضوع، وشکّ فی نسخه فلا یمکن أن یشکّ فیه‏‎ ‎‏مع العلم ببقاء جمیع خصوصیّات الموضوع الدخیلة فی تعلّق الحکم علیه: من القیود‏‎ ‎‏الزمانیّة والمکانیّة وغیرها؛ لأنَّ ذلک یرجع إلی الجزاف المُستحیل.‏

‏          وکثیراً ما یقع الإشکال فی الاستصحابات الموضوعیّة أیضاً، کاستصحاب‏‎ ‎‏الکرّیة‏‎[11]‎.

‏وأمّا الفرق بین الأخذ من العرف أو موضوع الدلیل، فهو أنَّ الحکم فی الدلیل قد‏‎ ‎‏یثبت العنوان أو الموضوع المتقیّد بقید؛ بحیث یکون الدلیل قاصراً عن إثبات الحکم‏‎ ‎‏لغیر العنوان أو غیر مورد التقید، فإذا ارتفع العنوان أو القید یرتفع موضوع الدلیل، کما‏‎ ‎‏إذا قال: ‏(التراب أحد الطهورین)‎[12]‎‏، و «وعصیر العنب إذا غلیٰ یحرم»‏‎[13]‎‏ فانطبق الحکم‏‎ ‎‏علی الموضوع الخارجیّ، فیشار إلی تراب خارجیّ، أ نَّه أحد الطهورین، وإلی رِطل من‏‎ ‎‏العنب أنَّ عصیره إذا غلیٰ یحرم، فإذا صار التراب الخارجیّ اَجراً أو خزفاً، والعنب زبیباً،‏‎ ‎‏وشککنا فی طهوریّة الأوّل وحرمة عصیر الثانی إذا غلی، فلا إشکال فی قصور الأدلّة‏‎ ‎‏الواقعیّة عن شمول غیر العناوین المأخوذة فی موضوعها؛ لتغیّر موضوعها، فلا یمکن‏‎ ‎

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏


‏التمسّک بدلیل طهوریّة التراب، وحرمة مغلیّ عصیر العنب لإثبات الحکم لهما، ولو بنینا‏‎ ‎‏علیٰ أخذ موضوع القضیّة المُتیقَّنة والمشکوک فیها من الدلیل لا یجری الاستصحاب أیضاً‏‎ ‎‏لتغیّر الموضوع، وعدم اتحاد القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها.‏

‏          وأمّا لو کان الاتحاد بنظر العرف، فجریانه ممّا لا مانع منه؛ لإنَّ هذا الآجر والخزف‏‎ ‎‏الخارجییّن کانا معلومی الحکم قبل طبخهما، وبواسطة طبخهما لم یتغیّرا إلاّ تغیّراً عَرَضیاً،‏‎ ‎‏وکذا العنب الخارجیّ إذا یبس وصار زبیباً یکون عین الموضوع المُتیقّن، ولیست الیبوسة‏‎ ‎‏مُغیّرة له إلاّ فی حاله وعَرَضه.‏

‏          وهذه التغیّرات العَرَضیّة لا تنافی وحدة الموضوع الخارجیّ، وإن لم تصدق معها‏‎ ‎‏علی الموضوع العناوینُ الکلّیةُ، فالتراب غیر الآجر بحسب العنوان الکلّی المأخوذ فی‏‎ ‎‏الدلیل، والعنب غیر الزبیب کذلک، لکنّ التراب والعنب الخارجیّین إذا طبخا ویبسا‏‎ ‎‏لا یتغیّران إلاّ فی الحالات الغیر المُضرّة ببقاء موضوع القضیّة المتیقّنة فی زمان الشکّ.‏

‏          فإذا قال المولیٰ: «أکرم العلماء والشعراء» واحتملنا کون العنوانین واسطة فی‏‎ ‎‏الثبوت، ومن کان عالماً وشاعراً فی زمان یجب إکرامه مُطلقاً، فلا إشکال فی أنَّ الدلیل‏‎ ‎‏قاصر عن إیجاب الإکرام إذا صار العالم جاهلاً، والشاعر غیر شاعر، کما أ نَّه لا إشکال‏‎ ‎‏فی أنَّ موضوع الدلیل غیر باقٍ، فلا مجال لجریان الاستصحاب فیما إذا اُخذ موضوع‏‎ ‎‏القضیّة المُستصحبة من الدلیل.‏

‏          وأمّا لدی العرف فیکون زید وعمرو واجبی الإکرام؛ لکون الأوّل مصداق العالم؛‏‎ ‎‏والثانی مصداق الشاعر، وعنوان «العالم» و «الشاعر» و إن کانا مُختلفی المصادیق مع‏‎ ‎‏العنوان المقابل لهما، ولکنّهما من الحالات العارضة للأفراد الخارجیّة، والموضوعات‏‎ ‎‏المُتحقّقة، فإذا زال عنوان العالمیّة من زید، والشاعریّة من عمرو، وشکّ فی إکرامهما؛‏‎ ‎‏للشکّ فی أنَّ العنوانین من الوسائط الثبوتیّة أو العروضیّة یجری الاستصحاب فیهما؛‏

‏لوحدة القضیّة المُتیقّنة والمشکوک فیها، لأ نّک کنت علیٰ یقین من إکرام زید وعمرو،‏‎ ‎‏لکون الأوّل مصداق العالم، والثانی مصداق الشاعر، ومع زوال العنوانین نشکّ فی بقاء‏‎ ‎‏وجوب إکرامهما (ولا ینبغی لک أن تنقض الیقین بالشکّ)، بخلاف ما لو اُخذ موضوع‏‎ ‎‏القضیّة من الدلیل؛ لعدم صدق عنوان «العالم» و «الشاعر» علیٰ غیرهما.‏

وقد اتّضح ممّا ذکرنا:‏ أنَّ کلمات الشیخ الأعظم ‏‏قدّس سُّره‏‎[14]‎‏ ومن بعده من‏‎ ‎‏المُحقّقین‏‎[15]‎‏ لا تخلو من خلط وخلل، حتّیٰ کلمات شیخنا العلاّمة رحمه الله ، مع أنَّ‏‎ ‎‏ما ذکرناه من إفادات مجلس بحثه.‏

‏ ‏

کلامُ المحقّق الخراسانیّ وما یرد علیه

‏ ‏

‏فما أفاده المُحقّق الخراسانیّ رحمه الله فی المقام الأوّل: من أنَّ موضوع الدلیل قد‏‎ ‎‏یکون بحسب المُتفاهم العرفیّ عنواناً، ولکنّ أهل العرف یتخیّلون ـ بحسب ارتکازهم‏‎ ‎‏ومناسبات الحکم والموضوع ـ أنَّ الموضوع أعمّ من ذلک، لکن لا بحیث یصیر ذلک‏‎ ‎‏الارتکاز وتلک المُناسبة موجبین لصرف الدلیل عمّا هو ظاهره المفهوم عرفاً، کما إذا دلّ‏‎ ‎‏الدلیل: علیٰ أنَّ العنب إذا غلیٰ یحرم، وفهم العرف منه أنَّ الموضوع هو العنب بحسب‏‎ ‎‏الدلیل، لکن یتخیّل بحسب ارتکازه تخیّلاً غیر صارف للدلیل أنَّ الموضوع أعمّ من‏‎ ‎‏الزبیب، وأنَّ العنبیّة والزبیبیّة من حالاته المُتبادلة؛ بحیث لو لم یکن الزبیب محکوماً بما‏‎ ‎‏حکم به العنب یکون عنده من ارتفاع الحکم عن موضوعه.‏

‏          فالفرق بین أخذ الموضوع من العُرف وبین أخذه من الدلیل بحسب ما ذکر: أنَّ‏‎ ‎‏موضوع الدلیل هو العنوان حقیقة، ولکنّ العرف تخیّل موضوعاً آخر غیر موضوع‏‎ ‎

‏ ‏

‏ ‏


‏الدلیل، بل أعمّ منه، ویکون الموضوع الحقیقیّ غیر باقٍ، والموضوع التخیّلی باقٍ‏‎[16]‎‎ ‎‏انتهیٰ محصّله بتوضیح منّا.‏

‏          وهو کماتریٰ؛ لأنَّ بقاء الموضوع التخیّلی لا یفید فی الاستصحاب، ولا یجوز أن‏‎ ‎‏یکون موضوع القضیّة المُتیقّنة ما یتخیّل العرف خلاف ما یدلّ علیه الدلیل، فإذا دلّ‏‎ ‎‏الدلیل علی أنَّ العنب بخصوصه موضوع الحکم تکون القضیّة المُتیقّنة «أنَّ العنب إذا‏‎ ‎‏غلیٰ یحرم» ویمکن تعلّق الیقین بأمر أعمّ من غیر دلالة دلیل، فضلاً عن دلالته علیٰ‏‎ ‎‏خلافه.‏

‏          ولقد عدل بعض أعاظم العصر رحمه الله عمّا ذکر، والتزم: بأنَّ موضوع الدلیل عین‏‎ ‎‏الموضوع العُرفیّ، وأ نَّه لا وجه للمقابلة بینهما؛ فإنَّ مفاد الدلیل یرجع بالآخرة إلی‏‎ ‎‏ما یقتضیه نظر العرف؛ لأنَّ المُرتکز العُرفیّ یکون قرینة صارفة عمّا یکون الدلیل ظاهراً‏‎ ‎‏فیه ابتداءً، ولو کان الدلیل ظاهراً بَدْواً فی قیدیّة العنوان، وکانت مُناسبة الحکم والموضوع‏‎ ‎‏تقتضی عدمه، فاللاّزم هو العمل علی ما تقتضیه مناسبة الحکم والموضوع؛ لأ نّها بمنزلة‏‎ ‎‏القرینة المُتّصلة، فلم یستقرّ للدلیل ظهور علی الخلاف.‏

‏          فالمقابلة بین العُرف والدلیل إنّما هی باعتبار ما یکون الدلیل ظاهراً فیه ابتداءً،‏‎ ‎‏مع قطع النظر عن المُرتکز العرفیّ، وإلاّ فبالآخرة یتّحد ما یقتضیه مفاد الدلیل مع‏‎ ‎‏ما یقتضیه المُرتکز العرفیّ‏‎[17]‎‏، انتهی.‏

‏          ولعلّه إلیه یرجع کلام الشیخ الأعظم فی ذیل الأمر الأوّل‏‎[18]‎.

‏وهذا الکلام کماتریٰ خلاف مفروض کلام المُحقّق الخراسانیّ؛ لأنَّ مفروضه‏‎ ‎‏ما إذا لم تَصِر المُناسبة موجبة لصرف الکلام عن ظاهره.‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏


والحقّ فی الجواب عنه أن یقال:‏ إنَّ المُناسبة إن لم تَصِر موجبة لصرف ظاهر‏‎ ‎‏الکلام فلا یُعقل أن تکون القضیّة المُتیقّن موضوعهاما هو مرتکز العُرف تخیّلاً وإن صارت‏‎ ‎‏موجبة لذلک، فلا یرجع الفرق إلیٰ محصّل.‏

‏          هذا مُضافاً إلیٰ أنَّ ما أفاده المُحقّق المعاصر رحمه الله یرجع بالآخرة إلیٰ العجز‏‎ ‎‏عن تصوّر الفرق بین الأخذ من العُرف والدلیل، وأنت إذا تأمّلت فیما ذکرنا من أخذ‏‎ ‎‏الموضوع من العُرف أو الدلیل لا تضح لک النظر فی کلام هؤلاء الأعلام، وأنَّ ما‏‎ ‎‏أفاده هذا المُحقّق ـ من أنَّ المُقابلة بینهما فی غیر محلّها ـ منظور فیه، وأنَّ المُقابلة بینهما‏‎ ‎‏فی محلّها.‏

‏ ‏

المُراد من العُرف لیس العُرف المسامِح

‏ ‏

‏ثمّ إنَّ المُراد بالعُرف فی مقابل العقل لیس هو العرف المسامح، حتّی یکون المُراد‏‎ ‎‏بالعقل العرف الغیر المسامح الدقیق؛ ضرورة أنَّ الألفاظ کما أ نّها وضعت للمعانی النفس‏‎ ‎‏الأمریّة تکون مُستعملة فیها أیضاً عند إلقاء الأحکام، فالکرّ والمیل والفرسخ‏‎ ‎‏والدم والکلب وسائر الألفاظ المُتداولة فی إلقاء الأحکام الشرعیّة لا تکون مُستعملة‏‎ ‎‏إلاّ فی المعانی الواقعیّة الحقیقیّة، فالکرّ بحسب الوزن ألف ومائتا رِطل عراقیّ من غیر‏‎ ‎‏زیادة ونقیصة، لا الأعمّ منه وما یسامح العرف، وکذا الدم لیس إلاّ المادّة السیّالة فی‏‎ ‎‏العروق التی تکون بها الحیاة الحیوانیّة، لا الأعمّ منها وما یطلق علیه اسم الدمّ مُسامحة،‏‎ ‎‏ولیس التسامح العُرفیّ فی شیءٍ من الموارد میزاناً لا فی تعیین المفاهیم، ولا فی تشخیص‏‎ ‎‏المصادیق.‏

‏          بل المُراد من الأخذ من العُرف هو العُرف مع دقّته فی تشخیص المفاهیم‏

‏والمصادیق، وأنَّ تشخیصه هو المیزان، مقابل تشخیص العقل الدقیق البرهانیّ.‏

مثلاً:‏ لا شبهة فی أنَّ الدم عبارة عن المائع المعهود ـ الجاری فی القلب والعروق،‏‎ ‎‏والمسفوح منه ـ موضوع للحکم بالنجاسة، ولیس ما یتسامح فیه العرف ویطلق علیه‏‎ ‎‏الدم تسامحاً موضوعاً لها، لکنّ العرف مع کمال دقّته فی تشخیص مصادیقه یحکم بأنَّ‏‎ ‎‏اللّون الباقی بعد غسل الثوب لیس بدم، بل هو لون الدم، لکنّ البرهان العقلی قام علی‏‎ ‎‏امتناع انتقال العرض، فیحکم العقل لأجل ذلک بأنَّ اللّون هو الأجزاء الصغار من‏‎ ‎‏جوهر الدم.‏

‏          والکلب لیس عند العُرف إلاّ الجثّة الخارجیّة، والحیاة من حالاتها، ومیتة‏‎ ‎‏الکلب کلب عندهم حقیقة، وعند العقل البرهانیّ لمّا کانت شیئیّة الشیء بصورته،‏‎ ‎‏وصورة الکلب نفسه الحیوانیّة الخاصّة به، فإذا فارقت جثّته سلب منها اسم الکلب،‏‎ ‎‏وتکون الجثّة جماداً واقعة تحت نوع آخر غیر النوع الکلبیّ، بل یسلب عنها اسم جثّة‏‎ ‎‏الکلب وبدنه أیضاً، ویکون إطلاق بدن الکلب علی الجثّة المُفارقة لها الروح مُسامحة‏‎ ‎‏لدی العقل، کما هو المُقرّر فی محلّه من العلوم العالیة‏‎[19]‎‏، مع أ نّها کلب لدی العرف‏‎ ‎‏حقیقة.‏

وبالجملة:‏ لیس المُراد من کون تشخیص المفاهیم ومصادیقها موکولاً إلی العُرف‏‎ ‎‏هو التسامح العرفیّ، فالتسامح العُرفی فی مقابل الدقّة العقلیّة البرهانیّة، لا فی مقابل دقّة‏‎ ‎‏العُرف.‏

نعم:‏ قد یکون بین المُتکلّم والمخاطب فی عُرف التخاطب وتعارف التکلّم بعض‏‎ ‎‏المُسامحات التی تکون مغفولاً عنها لدیهم حال التکلّم، ویحتاج التوجّه إلیها إلی زیادة‏‎ ‎‏نظر ودقّة، ومع الدقّة والنظرة الثانیة یتوجّه المُتکلّم والمُخاطب إلی التسامح، ففی مثل‏‎ ‎

‏ ‏


‏ذلک یکون المعنی المتفاهم ابتداءً موضوعاً للحکم، فإذا قال المولیٰ: «إذا قمت إلیٰ‏‎ ‎‏الصلاة فولِّ وجهک شطر المسجد الحرام» لا یفهم المخاطب من هذا الکلام إلاّ استقبال‏‎ ‎‏المسجد بالنحو المُتعارف، وإن کانت الدقّة العرفیّة أیضاً تقتضی کونه أضیق ممّا هو‏‎ ‎‏المُتفاهم عرفاً، فالمناط فی أمثاله هو التفاهم العرفی، لا الدقّة العقلیّة إن قلنا: بأنَّ المیزان‏‎ ‎‏هو العُرف.‏

‏          ثمّ إنَّه لا إشکال: فی أنَّ المیزان فی تشخیص جمیع المفاهیم ومصادیقها وکیفیّة‏‎ ‎‏صدقها علیها هو العُرف؛ لأنَّ الشارع کواحد من العُرف فی المخاطبات والمحاورات،‏‎ ‎‏ولیس له اصطلاح خاصّ، ولا طریقة خاصّة فی إلقاء الکلام إلی المُخاطب، فکما‏‎ ‎‏یفهم أهل المحاورات من قول بعضهم: «اجتنب عن الدم» أو «اغسل ثوبک من‏‎ ‎‏البول» یفهم من قول الشارع أیضاً، ولیس مخاطبة الشارع مع الناس إلاّ کمخاطبة‏‎ ‎‏بعضهم بعضاً، فإذا قال: ‏‏«‏فاغْسِلُوا وُجُوهَکُمْ وَأیدیکُمْ إلی المَرافِق‏»‏‎[20]‎‏ لا یکون‏‎ ‎‏المُراد منه إلاّ الغسل بالنحو المُتعارف، لا الغسل من الأعلیٰ فالأعلیٰ بنحو الدقّة‏‎ ‎‏العقلیّة، فکما أنَّ العُرف محکّم فی تشخیص المفاهیم محکّم فی صدقها علی المصادیق‏‎ ‎‏وتشخیص مصادیقها، فما لیس بمصداق عُرفاً لیس بمصداق للموضوع المحکوم‏‎ ‎‏بالحکم الشرعیّ.‏

فما أفاده المُحقّق الخراسانی:‏ من أنَّ تشخیص المصادیق لیس موکولاً إلی‏‎ ‎‏العرف‏‎[21]‎‏ وتبعه غیره‏‎[22]‎‏ لیس علیٰ ما ینبغی، فالحقّ ما ذکرنا تبعاً لشیخنا العلاّمة أعلی الله ‏‎ ‎‏مقامه‏‎[23]‎.

‏ ‏

‏ ‏

‏ ‏

‎ ‎

  • . رسائل الشیخ الأنصاری: 399 سطر 21.
  • . نفس المصدر السابق: 399 سطر 22.
  • . نفس المصدر: 400 سطر 3.
  • . حاشیة الآخوند علی الرسائل: 230 سطر 9، کفایة الاُصول: 486.
  • . درر الفوائد: 577 ـ 578.
  • . اُنظر رسائل الشیخ الأنصاری: 400 سطر 13.
  • . اُنظر فوائد الاُصول 4: 569 ـ 570.
  • و 2. رسائل الشیخ الأنصاری: 400 سطر 8 و 11.
  • . نفس المصدر السابق: 397 سطر 10.
  • . اُنظر التهذیب 1: 200 / 580، الوسائل 2: 991 / 1 ـ باب 21 من أبواب التیمم.
  • . اُنظر الوسائل 17: 223 /  باب 2 من أبواب الأشربة المُحرّمة.
  • . رسائل الشیخ الأنصاری: 401 سطر 9.
  • . کفایة الاُصول: 487 و 488، فوائد الاُصول 4: 571 ـ 586، درر الفوائد: 579 و 580.
  • . حاشیة الآخوند علی الرسائل: 232 سطر 9، کفایة الاُصول: 487 و 488.
  • . اُنظر فوائد الاُصول 4: 585 و 586.
  • . رسائل الشیخ الأنصاری: 403 السطر الأخیر.
  • . اُنظر الأسفار 2: 25 وما بعدها و 8: 12 و9: 47 و56 و186، الشواهد الربوبیة: 261 ـ 267.
  • . المائدة 5: 6.
  • . کفایة الاُصول: 77، حاشیة الآخوند علی الرسائل: 212، وصریح الآخوند قدّس سرّه ذهاب بعض السادة ـ وهو المیرزا     الشیرازی قدّس سرّه ظاهراً ـ إلیٰ هذا القول أیضاً.
  • . فوائد الاُصول 4: 494 و574 نهایة الأفکار 4: 189، نهایة الدرایة 1: 101 سطر 7.
  • . درر الفوائد: 579 و 580.