ا‏لمقام ا‏لأوّل : فی إمکان ا‏لتعبّد با‏لظنّ
أجوبـة ا‏لأعلام عن ا‏لمشکلـة ونقدها
نسخه چاپی | ارسال به دوستان
برو به صفحه: برو

نوع ماده: کتاب فارسی

پدیدآورنده : فاضل موحدی لنکرانی، محمد

محل نشر : تهران

ناشر: موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی(ره)

زمان (شمسی) : 1378

زبان اثر : عربی

أجوبـة ا‏لأعلام عن ا‏لمشکلـة ونقدها

‏ ‏

أجوبـة الأعلام عن المشکلـة ونقدها

‏ ‏

‏ثمّ إنّـه تفصّی المحقّق المعاصر عن أصل الإشکال ـ علی ما فی التقریرات ـ‏‎ ‎‏بأنّ الموارد التی توهّم وقوع التضادّ بین الأحکام الظاهریـة والواقعیـة علی أنحاء‏‎ ‎‏ثلاثـة :‏

‏أحدها : موارد قیام الطرق والأمارات .‏

‏ثانیها : موارد مخالفـة الاُصول المحرزة .‏


کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 424

‏ثالثها : موارد تخلّف الاُصول الغیر المحرزة ، والتفصّی عن الإشکال یختلف‏‎ ‎‏فی کلّ منها .‏

أمّا باب الطرق والأمارات‏ : فلیس المجعول حکماً تکلیفیاً ، حتّی یتوهّم‏‎ ‎‏التضادّ بینـه وبین الحکم الواقعی ، بل المجعول فیها إنّما هو الحجّیـة والوسطیـة‏‎ ‎‏فی الإثبات ، وهو أمر عقلائی ، وممّا تنالـه ید الجعل . وحینئذٍ فلیس حال الأمارة‏‎ ‎‏المخالفـة إلاّ کحال العلم المخالف ، فلایکون فی البین إلاّ الحکم الواقعی فقط ؛‏‎ ‎‏أصاب الطریق الواقع أو أخطأ ، فإنّـه عند الإصابـة یکون المؤدّی هو الحکم‏‎ ‎‏الواقعی ، کالعلم الموافق ، ویوجب تنجیز الواقع ، وعند الخطأ یوجب المعذوریـة‏‎ ‎‏وعدم صحّـة المؤاخذة علیـه ، کالعلم المخالف ، من دون أن یکون هناک حکم‏‎ ‎‏آخر مجعول‏‎[1]‎‏ ، انتهی ملخّصاً . هذا ما أفاده فی التفصّی عن الإشکال فی خصوص‏‎ ‎‏الأمارات .‏

ویرد علیـه أوّلاً‏ : أنّـه لیس فی باب الأمارات والطرق العقلائیـة الإمضائیـة‏‎ ‎‏حکم مجعول أصلاً ، لا الحجّیـة ولا الوسطیـة فی الإثبات ، ولا الحکم التعبّد بـه ؛‏‎ ‎‏ضرورة أنّـه لیس فیها إلاّ مجرّد بناء العقلاء عملاً علی طبقها ، والمعاملـة معها‏‎ ‎‏معاملـة العلم ، من دون أن یکون هنا جعل فی البین ، والشارع أیضاً لم یتصرّف‏‎ ‎‏فیها ، بل عمل بها ، کما یعمل العقلاء فی اُمورهم .‏

وثانیاً‏ : فلو سلّم الجعل الشرعی فالمجعول فیها لیس إلاّ إیجاب العمل‏‎ ‎‏بالأمارات تعبّداً ، کما یظهر بملاحظـة الروایات الواردة فی ذلک ، مثل قولـه ‏‏علیه السلام‏‏ :‏‎ ‎«إذا أردت حدیثاً فعلیک بهذا الجالس»‎[2]‎‏ ، مشیراً إلی زرارة ، وقولـه ‏‏علیه السلام‏‏ : ‏«وأمّا‎ ‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 425

الحوادث الواقعـة فارجعوا فیها إلی رواة أحادیثنا»‎[3]‎‏ ، وقولـه ‏‏علیه السلام‏‏ : ‏«علیک‎ ‎بالأسدی»‎[4]‎‏ ؛ یعنی أبا بصیر ، فإنّـه لو استفید منها الجعل الشرعی ، واُغمض عن‏‎ ‎‏کون جمیعها إرشاداً إلی الارتکاز العقلائی فظاهرها وجوب العمل علی قول‏‎ ‎‏العادل ، لا جعل الحجّیـة والوسطیـة ، کما لایخفی .‏

وثالثاً‏ ـ وهو العمدة ـ : أنّـه مع الغمض عن الإیرادین الأوّلین نقول : إنّ ما‏‎ ‎‏أفاد من کون المجعول هو الوسطیـة فی الإثبات لایجدی فی دفع الإشکال ؛ لما‏‎ ‎‏تقدّم فی توجیهـه من أنّ مرجع الإشکال إلی استحالـة اجتماع الإرادة الحتمیـة‏‎ ‎‏المتعلّقـة بإیجاد شیء ، والإرادة الجائیـة من قبل الحجّیـة الراجعـة إلی‏‎ ‎‏الترخیص فی المخالفـة فیما لو أخطأت الأمارة ، وهذا لایندفع بما ذکره ، ولم یکن‏‎ ‎‏الإشکال منحصراً بالاجتماع فی خصوص الحکمین ، حتّی یندفع بما ذکره من عدم‏‎ ‎‏کون المجعول فی باب الأمارات هو الحکم .‏

هذا‏ ‏، وأمّا ما أفاده فی باب الاُصول المحرزة فملخّصـه‏ : أنّ المجعول فیها هو‏‎ ‎‏البناء العملی علی أحد طرفی الشکّ علی أنّـه الواقع ، وإلغاء الطرف الآخر ،‏‎ ‎‏وجعلـه کالعدم ، فالمجعول فی الاُصول التنزیلیـة لیس أمراً مغایراً للواقع ، بل‏‎ ‎‏الجعل الشرعی إنّما تعلّق بالجری العملی علی المؤدّی ، علی أنّـه هو الواقع ، کما‏‎ ‎‏یرشد إلیـه قولـه ‏‏علیه السلام‏‏ فی بعض أخبار قاعدة التجاوز ‏«بلی قد رکعت»‎[5]‎‏ ، فإن کان‏‎ ‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 426

‏المؤدّی هو الواقع فهو ، وإلاّ کان الجری العملی واقعاً فی غیر محلّـه ، من دون أن‏‎ ‎‏یکون قد تعلّق بالمؤدّی حکم علی خلاف ما هو علیـه . وبالجملـة : المجعول فی‏‎ ‎‏باب الاُصول هو الهوهویـة العملیـة التی بنی علیها الشیخ فی باب الأمارات‏‎[6]‎‏ ،‏‎ ‎‏انتهی .‏

ویرد علیـه أوّلاً‏ : أنّ الجری والبناء العملی والهوهویـة العملیـة لیس أمراً‏‎ ‎‏قابلاً للجعل الشرعی ؛ لأنّـه من الاُمور التکوینیـة الغیر القابلـة للجعل ؛ ضرورة‏‎ ‎‏أنّـه فعل للمکلّف ، فإنّـه هو الذی یعمل بمؤدّاها بما أنّـه الواقع . وأمّا قولـه ‏‏علیه السلام‏‏ :‏‎ ‎«بلی قد رکع» ‏فهو یرشد إلی ما ذکرنا من رفع الید عن الحکم الفعلی ، والاکتفاء‏‎ ‎‏بخلوّ المأمور بـه عن بعض الأجزاء .‏

وثانیاً‏ : أنّـه علی تقدیر تسلیم إمکان تعلّق الجعل الشرعی بالجری العملی‏‎ ‎‏فنقول : مَن الذی أوجب علی المکلّف ، وأجاز لـه البناء علی أنّ المؤدّی هو‏‎ ‎‏الواقع ؟ فلا محالـة یقال فی الجواب : إنّ الجاعل والباعث لـه علی ذلک هو‏‎ ‎‏الشارع المرخّص فی العمل علی طبق الاُصول ، وحینئذٍ فیعود الإشکال بأنّـه‏‎ ‎‏کیف یجتمع ذلک مع الإرادة الحتمیـة المتعلّقـة بفعل المأمور بـه بجمیع أجزائـه‏‎ ‎‏وشرائطـه ، کما لایخفی .‏

هذا‏ ‏، وذکر فی مقام التفصّی عن الإشکال فی الاُصول الغیر المحرزة‏ ـ بعد‏‎ ‎‏التفصیل فی متمّمات الجعل ـ ما ملخّصـه : أنّ للشکّ فی الحکم الواقعی اعتبارین :‏

‏أحدهما : کونـه من الحالات والطوارئ اللاحقـة للحکم الواقعی أو‏‎ ‎‏موضوعـه ، کحالتی العلم والظن ، وهو بهذا الاعتبار لایمکن أخذه موضوعاً لحکم‏‎ ‎‏یضادّ الحکم الواقعی ؛ لانحفاظ الحکم الواقعی عنده .‏


کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 427

‏ثانیهما : اعتبار کونـه موجباً للحیرة فی الواقع ، وعدم کونـه موصلاً إلیـه‏‎ ‎‏ومنجّزاً لـه ، وهو بهذا الاعتبار یمکن أخذه موضوعاً لما یکون متمّماً للجعل‏‎ ‎‏ومنجّزاً للواقع ، کما أنّـه یمکن أخذه موضوعاً لما یکون مؤمّناً عن الواقع حسب‏‎ ‎‏اختلاف مراتب الملاکات النفس الأمریـة . فلو کانت مصلحـة الواقع مهمّـة فی‏‎ ‎‏نظر الشارع کان علیـه جعل المتمّم ، لمصلحـة احترام المؤمن وحفظ نفسـه ، فإنّـه‏‎ ‎‏لمّا کان حفظ نفس المؤمن أولی بالرعایـة وأهمّ فی نظر الشارع من مفسدة حفظ‏‎ ‎‏دم الکافر اقتضی ذلک تشریع حکم ظاهری طریقی بوجوب الاحتیاط فی موارد‏‎ ‎‏الشکّ ؛ حفظاً لدمـه .‏

‏وهذا الحکم إنّما یکون فی طول الحکم للواقع ، نشأ عن أهمّیـة المصلحـة‏‎ ‎‏الواقعیـة ؛ ولذا کان الخطاب بالاحتیاط خطاباً نفسیاً ناشئاً عن أهمّیـة مصلحـة‏‎ ‎‏الواقع ، فهو واجب نفسی للغیر ، لا واجب بالغیر ؛ ولذا کان العقاب علی مخالفـة‏‎ ‎‏التکلیف بالاحتیاط عند ترکـه وأدائـه إلی مخالفـة الحکم الواقعی ، لا علی‏‎ ‎‏مخالفـة الواقع ؛ لقبح العقاب علیـه مع الجهل .‏

إن قلت‏ : إنّ مقتضی ذلک صحّـة العقوبـة علی مخالفـة الاحتیاط ، صادف‏‎ ‎‏الواقع أو خالفـه ؛ لکونـه واجباً نفسیاً ، وإن کان الغرض من وجوبـه هو الوصلـة‏‎ ‎‏إلی الأحکام الواقعیـة ، إلاّ أنّ تخلّف الغرض لایوجب سقوط العقاب . فلو خالف‏‎ ‎‏الاحتیاط ، وأقدم علی قتل المشتبـه ، وصادف کونـه مهدور الدم کان اللازم‏‎ ‎‏استحقاقـه للعقوبـة .‏

قلت‏ : فرق بین علل التشریع وعلل الأحکام ، والذی لایضرّ تخلّفـه هو‏‎ ‎‏الأوّل ؛ لأنّها تکون حکمـة تشریع الأحکام ، وأمّا علّـة الحکم فالحکم یدور‏‎ ‎‏مدارها ، ولایمکن أن یتخلّف عنها ، ولا إشکال أنّ الحکم بوجوب حفظ نفس‏‎ ‎‏المؤمن علّـة للحکم بالاحتیاط ؛ لأنّ أهمّیـة ذلک أوجب الاحتیاط .‏


کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 428

ومن ذلک یظهر‏ : أنّـه لا مضادّة بین إیجاب الاحتیاط وبین الحکم الواقعی ،‏‎ ‎‏فإنّ المشتبـه إن کان ممّا یجب حفظ نفسـه واقعاً فوجوب الاحتیاط یتّحد مع‏‎ ‎‏الوجوب الواقعی ، ویکون هو هو ، وإن لم یکن کذلک فلایجب الاحتیاط ؛ لانتفاء‏‎ ‎‏علّتـه ، وإنّما المکلّف یتخیّل وجوبـه ، هذا کلّـه إذا کانت مصلحـة الواقع تقتضی‏‎ ‎‏جعل المتمّم من إیجاب الاحتیاط .‏

‏وإن لم تکن المصلحـة الواقعیـة بهذه المثابـة من الأهمّیـة فللشارع جعل‏‎ ‎‏المؤمّن بلسان الرفع کحدیث الرفع‏‎[7]‎‏ ، أو بلسان الوضع کقولـه : ‏«کلّ شیء لک‎ ‎حلال»‎[8]‎‏ ، فإنّ المراد من الرفع لیس رفع التکلیف عن موطنـه ، بل رفع التکلیف‏‎ ‎‏عمّا یستتبعـه من التبعات ، وإیجاب الاحتیاط ، فالرخصـة المستفادة من حدیث‏‎ ‎‏الرفع نظیر الرخصـة المستفادة من حکم العقل بقبح العقاب من دون بیان ، فکما‏‎ ‎‏أنّ هذه الرخصـة لا تنافی الحکم الواقعی کذلک الرخصـة المستفادة من حدیث‏‎ ‎‏الرفع .‏

والسرّ فی ذلک‏ : هو أنّ هذه الرخصـة تکون فی طول الحکم الواقعی ،‏‎ ‎‏ومتأخّر رتبتها عنـه ؛ لأنّ الموضوع فیها هو الشکّ فی الحکم ؛ من حیث کونـه‏‎ ‎‏موجباً للحیرة فی الواقع وغیر موصل إلیـه ، فقد لوحظ فی الرخصـة وجود الحکم‏‎ ‎‏الواقعی ، ومعـه کیف یعقل أن تضادّ الحکم الواقعی .‏

وبالجملـة‏ : الرخصـة والحلّیـة المستفادة من حدیثی الرفع والحلّ تکون‏‎ ‎‏فی عرض المنع والحرمـة المستفادة من إیجاب الاحتیاط ، وقد عرفت أنّ إیجاب‏

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 429

‏الاحتیاط یکون فی طول الواقع ومتفرّعاً علیـه ، فما یکون فی عرضـه یکون فی‏‎ ‎‏طول الواقع أیضاً ، إلاّ یلزم أن یکون ما فی طول الشیء فی عرضـه‏‎[9]‎‏ ، انتهی .‏

ویرد علیـه أوّلاً‏ : أنّ الفرق بین أخذ الشکّ باعتبار کونـه من الحالات‏‎ ‎‏والطوارئ وبین أخذه باعتبار کونـه موجباً للحیرة فی الواقع ، دعوی المناط فی‏‎ ‎‏رفع التضادّ هو الأخذ علی الوجـه الثانی ممّا لا محصّل لـه ، فإنّ مجرّد الطولیـة‏‎ ‎‏لو کان کافیاً فی رفع التضادّ فاللازم رفعـه بناءً علی الوجـه الأوّل أیضاً ؛ لأنّ‏‎ ‎‏الحالات الطارئـة أیضاً فی طول الواقع ، وإن لم یکن کافیاً فیـه ، فالأخذ علی‏‎ ‎‏الوجـه الثانی أیضاً لایرفع التضادّ ، بل نقول : إنّ الاعتبارین مجرّد تغییر فی‏‎ ‎‏العبارة ، وإلاّ فلا فرق بینهما واقعاً ، کما لایخفی .‏

وثانیاً‏ : أنّ ما أجاب بـه عن الإشکال الذی أورده علی نفسـه بقولـه : إن‏‎ ‎‏قلت : من عدم وجوب الاحتیاط واقعاً فی مورد الشکّ مع عدم کون المشکوک ممّا‏‎ ‎‏یجب حفظـه ؛ لکون وجوب حفظ المؤمن علّـة للحکم بالاحتیاط ، لا علّـة‏‎ ‎‏للتشریع ممّا لاوجـه لـه ، فإنّ وجوب الاحتیاط حکم ظاهری مجعول لغرض‏‎ ‎‏حفظ الواقع ، ولابدّ أن یتعلّق حقیقـة بکلّ مشکوک ، سواء کان واجب الحفظ أم لم‏‎ ‎‏یکن ، وإلاّ فلو تعلّق بخصوص ما کان منطبقاً علی الواجب الواقعی فقط فیحتاج‏‎ ‎‏إلی متمّم آخر ، فإنّ وجوب الاحتیاط المتعلّق علی المشکوک الواجب بحسب‏‎ ‎‏الواقع لایصلح للداعویـة نحو المشکوک کونـه هو الواقع ، وقاصر عن تحریک‏‎ ‎‏العبد نحوه ، فیصیر جعل إیجاب الاحتیاط لغواً ؛ لأنّ جمیع موارد الشکّ یکون‏‎ ‎‏تعلّق وجوب الاحتیاط بها مشکوکاً ، کما لایخفی .‏

وثالثاً‏ : أنّ ما أفاد من أنّ الرخصـة ، وکذا أصالـة الحلّیـة إنّما یکون فی‏

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 430

‏عرض الاحتیاط الذی هو فی طول الواقع ، فلابدّ أن تکون الرخصـة أیضاً فی‏‎ ‎‏طولـه ممنوع جدّاً ؛ لأنّـه قد ثبت فی محلّـه أنّ ما فی عرض المتقدّم علی شیء‏‎ ‎‏لایلزم أن یکون متقدّماً علیـه ؛ لأنّ التقدّم والتأخّر إنّما یثبت فی موارد ثبوت‏‎ ‎‏ملاکهما ، کالعلّیـة والمعلولیـة ، ولا معنی لثبوتهما من دون ملاک ، کما هو واضح .‏

ورابعاً‏ : أنّ ما ذکره ـ علی تقدیر تسلیم صحّتـه ـ لایجدی فی رفع الإشکال‏‎ ‎‏بالتوجیـه الذی ذکرناه ، فتدبّر .‏

وممّا تفصّی بـه عن الإشکال ما أفاده السیّد الأصفهانی‏ ـ علی ماحکاه عنـه‏‎ ‎‏المحقّق المعاصر فی کتاب «الدرر» ـ وملخّصـه : أنّـه لا إشکال فی أنّ الأحکام‏‎ ‎‏إنّما تتعلّق بالمفاهیم المتصوّرة فی الذهن ، لکن لا من حیث إنّها کذلک ، بل من‏‎ ‎‏حیث إنّها حاکیـة عن الخارج .‏

‏ثمّ إنّ المفهوم المتصوّر تارة یکون مطلوباً علی نحو الإطلاق ، واُخری علی‏‎ ‎‏نحو التقیید ، وعلی الثانی فقد یکون ذلک لعدم المقتضی فی غیر المقیّد ، وقد یکون‏‎ ‎‏لوجود المانع ، مثلاً قد یکون عتق الرقبـة مطلوباً علی سبیل الإطلاق ، وقد یکون‏‎ ‎‏الغرض فی عتق الرقبـة المؤمنـة خاصّـة ، وقد یکون فی المطلق ، إلاّ أنّ عتق‏‎ ‎‏الرقبـة الکافرة مناف لغرضـه الآخر ، ولأجلـه قیّد العتق المطلوب بما إذا تحقّق‏‎ ‎‏فی الرقبـة المؤمنـة ، فتقییده فی هذا القسم إنّما هو من جهـة الکسر والانکسار ،‏‎ ‎‏لا لتضییق دائرة المقتضی .‏

‏ومن المعلوم : أنّ ذلک یتوقّف علی تصوّر العنوان المطلوب أوّلاً مع العنوان‏‎ ‎‏الآخر المتّحد معـه فی الوجود المخرج لـه عن المطلوبیـة الفعلیـة ، فلو فرضنا‏‎ ‎‏عنوانین غیر مجتمعین فی الذهن فلایعقل تحقّق الکسر والانکسار . فاللازم من‏‎ ‎‏ذلک : أنّـه متی تصوّر العنوان الذی فیـه جهـة المطلوبیـة یکون مطلوباً صرفاً ، من‏‎ ‎‏دون تقیید وکذا العنوان الذی فیـه جهـة المبغوضیـة .‏


کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 431

‏والعنوان المتعلّق للأحکام الواقعیـة مع العنوان المتعلّق للأحکام الظاهریـة‏‎ ‎‏ممّا لایجتمعان فی الوجود الذهنی ، مثلاً إذا تصوّر الآمر صلاة الجمعـة فلایمکن‏‎ ‎‏أن یتصوّر معها إلاّ الحالات التی یمکن أن تتصف بها فی هذه الرتبـة ، مثل کونها‏‎ ‎‏فی المسجد أو فی الدار ، وأمّا اتصافها بکون حکمها الواقعی مشکوکاً فلیس ممّا‏‎ ‎‏یتصوّر فی هذه الرتبـة ؛ لأنّ هذا الوصف إنّما یعرض الموضوع بعد تحقّق الحکم ،‏‎ ‎‏والأوصاف المتأخّرة عنـه لایمکن إدراجها فی موضوعـه ، فلا منافاة حینئذٍ بین‏‎ ‎‏الحکمین ؛ لأنّ الجهـة المطلوبیـة ملحوظـة فی ذات الموضوع مع قطع النظر عن‏‎ ‎‏الحکم ، وجهـة المبغوضیـة ملحوظـة مع لحاظـه .‏

‏إن قلت : العنوان المتأخّر وإن لم یکن متعقّلاً فی مرتبـة تعقّل الذات ولکن‏‎ ‎‏الذات ملحوظـة فی مرتبـة تعقّل العنوان المتأخّر ، فعند ملاحظـة العنوان المتأخّر‏‎ ‎‏یجتمع العنوانان فی اللحاظ .‏

‏قلت : تصوّر ما یکون موضوعاً للحکم الواقعی الأوّلی مبنی علی قطع النظر‏‎ ‎‏عن الحکم ، وتصوّره بعنوان کونـه مشکوک الحکم لابدّ وأن یکون بلحاظ الحکم ،‏‎ ‎‏ولایمکن الجمع بین لحاظ التجرّد عن الحکم ولحاظ ثبوتـه‏‎[10]‎‏ .‏

ویرد علیـه أوّلاً‏ : أنّ عنوان کون الموضوع مشکوک الحکم لایتوقّف علی‏‎ ‎‏تحقّقـه قبلـه ؛ ضرورة أنّـه یمکن الشکّ فی حکم الموضوع مع عدم کونـه محکوماً‏‎ ‎‏بحکم . فبین العنوانین ـ أعنی عنوان الموضوع بلحاظ حکمـه الواقعی وعنوان‏‎ ‎‏کونـه مشکوک الحکم ـ نسبـة العموم من وجـه ؛ لأنّـه کما یمکن أن یکون‏‎ ‎‏الموضوع معلوم الحکم فیتحقّق الافتراق من ناحیـة الموضوع ، کذلک یمکن أن‏‎ ‎‏یکون مشکوک الحکم مع عدم تحقّقـه أصلاً . کیف ، ولو کان عنوان المشکوکیـة‏

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 432

‏متوقّفاً علی سبق الحکم یلزم من وجود الشکّ العلم ؛ لأنّ المفروض أنّ توقّفـه‏‎ ‎‏علی سبق الحکم أمر مقطوع ، فبعد الشکّ یقطع بـه ، مع أنّـه مستحیل جدّاً .‏

‏مضافاً إلی أنّـه لو شکّ فی حکم الموضوع ؛ من حیث الوجوب والتحریم‏‎ ‎‏مثلاً فاللازم ـ بناءً علی هذا ـ أن یکون الموضوع فی الواقع واجباً وحراماً معاً .‏

وثانیاً‏ : أنّـه لو سلّم أنّ تحقّق عنوان المشکوکیـة فی الواقع یتوقّف علی‏‎ ‎‏سبق الحکم فلا نسلّم ذلک فی مقام جعل الأحکام ، الذی لایتوقّف إلاّ علی تصوّر‏‎ ‎‏موضوعاتها ، فللمولی أن یجعل الحکم متعلّقاً بعنوان مشکوک الحکم قبل أن صدر‏‎ ‎‏منـه حکم آخر متعلّق بذوات الموضوعات ، وقد حقّقنا فی مبحث التعبّدی‏‎ ‎‏والتوصّلی إمکان أن یکون الموضوع مقیّداً بما لایأتی إلاّ من قبل الحکم ، فراجع .‏

وثالثاً ـ وهو العمدة ـ‏ : أنّ ما أجاب بـه عن الإشکال الذی أورده علی‏‎ ‎‏نفسـه بقولـه : إن قلت ممّا لایندفع بـه الإشکال أصلاً ؛ لأنّ الموضوع المتصوّر‏‎ ‎‏المأخوذ موضوعاً للحکم الواقعی إمّا أن یکون مأخوذاً بشرط لا ؛ من حیث کونـه‏‎ ‎‏مشکوک الحکم ، وإمّا أن یکون مأخوذاً لابشرط . ومرجع الأوّل إلی أنّ ثبوت‏‎ ‎‏الحکم الواقعی للموضوع إنّما هو فی صورة العلم بثبوتـه لـه ، وهو تصویب قام‏‎ ‎‏الإجماع ، بل الضرورة علی خلافـه ، ولو کان المراد هو الثانی فمن الواضح أنّ‏‎ ‎‏الشیء المأخوذ لابشرط لایأبی من الاجتماع مع بشرط شیء ، وحینئذٍ فیجتمع‏‎ ‎‏الحکمان عند ملاحظـة عنوان مشکوک الحکم ، وجعل الحکم متعلّقاً بـه ، کما‏‎ ‎‏لایخفی .‏

‏ثمّ إنّـه قد تخلّص عن الإشکال بوجوه اُخر ، تعرّض لبعضها الاُستاذ مع‏‎ ‎‏الجواب عنـه ، ولکنّـه لا فائدة فی التعرّض لـه بعد کونـه مورداً للإشکال ، وبعد‏‎ ‎‏الجواب عنـه بما حقّقناه ، فتأمّل فی المقام ، فإنّـه من مزالّ الأقدام .‏

‎ ‎

کتابمعتمد الاصول (ج. ۱): تقریر ابحاث روح‏ الله موسوی الامام الخمینی (س)صفحه 433

  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 105 .
  • )) اختیار معرفـة الرجال 1 : 347 / 216 ، وسائل الشیعـة 27 : 143 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 11 ، الحدیث 19 .
  • )) إکمال الدین : 484 / 4 ، وسائل الشیعـة 27 : 140 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 11 ، الحدیث 9 .
  • )) اختیار معرفـة الرجال 1 : 400 / 291 ، وسائل الشیعـة 27 : 142 ، کتاب القضاء ، أبواب صفات القاضی ، الباب 11 ، الحدیث 15 .
  • )) تهذیب الأحکام 2 : 151 / 592 ، وسائل الشیعـة 6 : 317 ، کتاب الصلاة ، أبواب الرکوع ، الباب 13 ، الحدیث 3 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 110 ـ 111 .
  • )) التوحید : 353 / 24 ، وسائل الشیعـة 15 : 369 ، کتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحدیث 1 .
  • )) الکافی 6 : 339 / 2 ، وسائل الشیعـة 25 : 118 ، کتاب الأطعمـة والأشربـة ، أبواب الأطعمـة المباحـة ، الباب 61 ، الحدیث 2 .
  • )) فوائد الاُصول (تقریرات المحقّق النائینی) الکاظمی 3 : 114 ـ 119 .
  • )) اُنظر درر الفوائد ، المحقّق الحائری : 351 ـ 353 .